حول قاعدة العمود الذي يروى أن القديس سمعان أمضى عليه سنوات، تتناثر الحجارة في أرجاء دير بيزنطي مهجور في شمال سورية، شاهدة على سنوات من الحرب والنهب والحفريات غير المشروعة فاقمها زلزال العام 2023 والإهمال.
وقام وفد فرنسي متخصص بالآثار بزيارة دير سمعان والمواقع الأثرية المحيطة به، والتي كان متعذرا الوصول إليها خلال سنوات الحرب (2011-2024)، والوقوف على حجم الأضرار تمهيدا لترميم الدير.
ويعد دير سمعان من أبرز المعالم المسيحية في سورية، وقد شيد مجمعه الديني الضخم خلال القرن الخامس الميلادي، قبل أن يتحول إلى أحد أشهر مقاصد الزيارة المسيحية في أواخر العصور القديمة. ويشكل الدير جزءا من القرى القديمة في شمال سورية المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2011، وعلى قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر منذ عام 2013.
بين أحجار القوس الغربي المنهار بشكل كامل، شقت عالمة الآثار السورية الفرنسية ميشلين كردي طريقها داخل الدير الأثري في ريف حلب، حاملة كاميرتها ودفترا صغيرا، إلى موقع عملت فيه قبل الحرب، أملا في تحديد ما يمكن إنقاذه وترميمه.
وقالت كردي (42 عاما)، وهي مهندسة متخصصة في الآثار، لوكالة فرانس برس، «هناك أضرار لا يمكن تعويضها في الدير بالقسم الجنوب الشرقي، لكن بالمقابل الكنيسة صامدة وبوضع جيد، وهناك أجزاء يمكننا ان نعيد رفعها».
وشوهدت في داخل الدير أقواس متصدعة وجدران حجرية منهارة جزئيا، فيما الأبنية التي يقيم فيها الرهبان لاتزال قائمة.
رمز الكنيسة
وقدر مدير قلعة سمعان عرابي حجم الأضرار الناجمة عن الحرب والزلزال بما بين 30 و40%، مشيرا إلى انهيار القوس الغربي مع أعمدته وأضرار إنشائية متفاوتة، بعضها يحتاج إلى تدعيم بسيط وبعضها إلى مشاريع كبيرة.
وقال لوكالة «فرانس برس»: «عمود القديس سمعان هو رمز الكنيسة، القاعدة موجودة كقطعة واحدة متماسكة، لكن بقية العمود هي عبارة عن حجارة مكسرة سوف نحاول تجميعها وإعادة بنائها».
وشيد الدير حول عمود القديس سمعان، وهو راهب ناسك أمضى نحو أربعين عاما فوق العمود متفرغا للعبادة، وفق ما يقول التقليد المسيحي، وتحول العمود إلى مقصد للزيارة بعد وفاته.
وأكد عبد الجليل أن «العمود بحاجة لمراجعة المخططات القديمة كي نعيد القاعدة مع الجزء المتبقي منها».
ومنذ بدء الحرب في سورية عام 2011، تعرض الموقع «للنهب والحفر غير المشروع والاستخدام العسكري والإهمال»، بحسب مدير القلعة. وفي مايو 2016، أصابته ضربة جوية، بينما ترك زلزال فبراير 2023، العنيف الذي أصاب سورية وتركيا آثاره على الأقواس والجدران.
وجال الوفد الفرنسي الذي شارك فيه القائم بأعمال السفارة الفرنسية في سورية جان باتيست فافر في مناطق أثرية وتاريخية عدة في شمال سورية والتقى مسؤولين في هيئة آثار حلب.
وقال فافر من داخل دير سمعان «هذا التراث مهم للغاية، ليس لماضي سورية فحسب، بل للمستقبل أيضا. بكل تأكيد هذا النشاط أثري، لكنه أيضا اقتصادي وسياحي».
وأضاف «سيكون هناك تعاون بين المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية والمؤسسات الثقافية الفرنسية حتى نساعد بإعادة ترميم وتطوير هذا المكان».