مفرح الشمري
لا يرحل الفنانون الحقيقيون حين تغيب أجسادهم، بل يظلون حاضرين في ذاكرة الناس بما زرعوه من فرح وما تركوه من أثر، بالأمس ودعت الكويت واحدا من أبنائها الذين حملوا الفن الشعبي رسالة وهوية، الفنان القدير أحمد القطامي، الذي كرس عمره لخدمة التراث الكويتي، وجعل من المونولوج والأغنية الشعبية نافذة يطل منها المجتمع على همومه وآماله، بأسلوب جمع بين البساطة والوعي والابتسامة الصادقة.
وبرحيله، تخسر الساحة الفنية قامة أسهمت في تشكيل جانب مهم من ذاكرة الفن الكويتي، بعدما قدم على مدى عقود أعمالا بقيت حاضرة في وجدان الجمهور، ورسخ حضوره كأحد أبرز رواد الفن الشعبي، مؤمنا بأن الفن رسالة تحفظ الهوية، وتلامس الإنسان، وتبقى شاهدة على الزمن.
برز القطامي منذ ستينيات القرن الماضي، ونجح في تقديم أعمال جمعت بين الطرافة والرسالة من خلال فن المنولوج، قبل أن يتولى رئاسة فرقة تلفزيون الكويت للفنون الشعبية في 20 يونيو 1979، حيث أسهم في تطوير نشاطها الفني، وعمل إلى جانب نخبة من الفنانين.
وكان الراحل من مؤسسي الفرقة وتنقل فيها بين العمل الإداري والتدريب، كما مثل الكويت في العديد من المهرجانات داخل البلاد وخارجها، مؤمنا بأهمية الحفاظ على التراث الشعبي وتقديمه بصورة تليق بتاريخ الكويت الفني.
وخلال سنوات دراسته، انضم إلى فرقة مسرح الخليج العربي عام 1970، وشارك في عدد من الأنشطة المسرحية والإعلامية، غير أن شغفه بالموسيقى قاده إلى التفرغ للفن الغنائي، لينضم إلى جمعية الفنانين الكويتيين، التي أصبح لاحقا أحد أعضاء مجلس إدارتها لسنوات.
ومن أبرز المحطات في مسيرته مشاركته في فبراير 1979، خلال الزيارة التاريخية للملكة إليزابيث الثانية وزوجها الأمير فيليب إلى الكويت، حين قدم مع الفنانة عالية حسين مقطعا من أوبرا «الناي السحري» للموسيقار موتسارت، ليصبحا أول مواطنين كويتيين يقدمان الغناء الأوبرالي في مناسبة رسمية، في مشهد استثنائي حظي بإعجاب الملكة والوفد المرافق، وسجل صفحة مضيئة في تاريخ الفنون الموسيقية الكويتية.
رحل أحمد القطامي، لكن صوته سيبقى حاضرا في ذاكرة الكويت، كما ستبقى أعماله شاهدا على مسيرة فنان أحب وطنه، وحمل تراثه إلى الأجيال، وآمن بأن الفن الصادق لا يشيخ، وأن المبدعين الحقيقيين يخلدهم ما يتركونه في قلوب الناس قبل أن تخلدهم كتب التاريخ.. رحم الله أحمد القطامي وأسكنه فسيح جناته وألهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان.