يشهد قطاع الإنترنت الفضائي نموا غير مسبوق، مع احتدام المنافسة بين شركات التكنولوجيا الكبرى والدول الرائدة في مجال الفضاء لتوسيع شبكات الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض، في ظل الطلب المتزايد على توفير خدمات الإنترنت عالية السرعة للمناطق النائية والريفية والمواقع التي يصعب ربطها بشبكات الاتصالات التقليدية.
ووفقا لتقديرات شركة «بريسيدنس ريسيرش»، بلغ حجم سوق الإنترنت عبر الأقمار الصناعية عالميا نحو 11.93 مليار دولار خلال عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 13.55 مليار دولار في عام 2026، قبل أن يواصل نموه بوتيرة متسارعة ليصل إلى 42.15 مليار دولار بحلول عام 2035، وهو ما يعكس تنامي أهمية هذا القطاع باعتباره أحد أسرع أسواق الاتصالات نموا خلال العقد المقبل.
ويستند هذا النمو إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها التوسع الكبير في نشر الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض (LEO)، وزيادة الاستثمارات الحكومية والخاصة في تطوير البنية التحتية الرقمية، إلى جانب توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة الشبكات الفضائية وتحسين كفاءة تشغيل الأقمار الصناعية، بما يسهم في رفع جودة الخدمة وتقليل الأعطال وتعزيز استمرارية الاتصال.
ويزداد الاعتماد على الإنترنت الفضائي بصورة خاصة في الدول ذات المساحات الجغرافية الواسعة أو التضاريس الصعبة التي يصعب فيها مد شبكات الألياف الضوئية، بينما يظل استخدامه أقل انتشارا في الدول التي تمتلك بنية تحتية متطورة للاتصالات الأرضية.
وتكشف نتائج استطلاع أجرته «ستاتيستا» خلال الاثني عشر شهرا المنتهية في يونيو 2026 أن الولايات المتحدة تتصدر العالم في استخدام الإنترنت الفضائي، حيث أفاد 9% من المشاركين باستخدام هذه التقنية، تلتها المملكة المتحدة وكندا بنسبة 8% لكل منهما، ثم أستراليا بنسبة 7%، وإسبانيا بنسبة 6%، وجاءت البرازيل وفرنسا بنسبة 5% لكل منهما، بينما سجلت ألمانيا واليابان نسبة 4%، في حين بلغت نسبة المستخدمين في الصين نحو 3%، وهو ما يعكس تفاوت معدلات انتشار الخدمة وفقا لطبيعة البنية التحتية والاحتياجات الجغرافية لكل دولة.
وعلى صعيد الشركات، تواصل ستارلينك التابعة لشركة «سبيس إكس» فرض هيمنتها على سوق الإنترنت الفضائي العالمي، بعدما رفعت عدد أقمارها الصناعية العاملة إلى 10302 قمر صناعي حتى أبريل 2026، مع حصولها على موافقات تنظيمية تسمح بزيادة العدد إلى 15 ألف قمر صناعي، فيما تستهدف مستقبلا إنشاء شبكة ضخمة تضم نحو 42 ألف قمر صناعي، بما يعزز قدرتها على توفير تغطية عالمية شبه كاملة.
وفي المقابل، نجحت شركة أمازون في تشغيل 239 قمرا صناعيا حتى أبريل 2026، ضمن خطة تستهدف نشر 3236 قمرا صناعيا في المدار الأرضي المنخفض، مستفيدة من خبراتها في الحوسبة السحابية وشراكاتها مع شركات الإطلاق الفضائي لتقديم خدمات منافسة خلال السنوات المقبلة.
أما الصين، فتسعى إلى بناء منظومة مستقلة للإنترنت الفضائي عبر مشروعين وطنيين رئيسيين هما «تشيانفان» و«شينغوانغ»، حيث يهدف الأول إلى نشر نحو 15 ألف قمر صناعي، فيما يستهدف الثاني نشر حوالي 13 ألف قمر صناعي، في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز السيادة الرقمية الصينية وبناء شبكة منافسة للشركات الغربية.
وفي أوروبا، تواصل شركة ون ويب التابعة لمجموعة يوتلسات تشغيل شبكة تضم نحو 654 قمرا صناعيا، تركز بصورة رئيسية على تقديم الخدمات للحكومات والمؤسسات وقطاعات النقل والطيران، بينما يستعد الاتحاد الأوروبي لإطلاق مشروع IRIS اعتبارا من عام 2027، والذي يستهدف نشر نحو 300 قمر صناعي لتعزيز استقلالية أوروبا في خدمات الاتصالات الفضائية.
وتشير أحدث البيانات إلى أن ستارلينك تتصدر بفارق كبير من حيث عدد الأقمار الصناعية العاملة، إذ تشغل 10302 قمر صناعي، تليها ون ويب بـ654 قمرا، ثم كويبر التابع لـ«أمازون» بـ239 قمرا، بينما تمتلك الصين 186 قمرا ضمن مشروع شينغوانغ و127 قمرا ضمن مشروع تشيانفان، مع خطط توسعية ضخمة خلال السنوات المقبلة.
ولم يعد التنافس في الإنترنت الفضائي يقتصر على توفير خدمات اتصال أسرع وأكثر انتشارا، بل تحول إلى سباق استراتيجي يرتبط بالأمن الرقمي والسيادة التقنية والاقتصاد الفضائي، في ظل سعي الدول الكبرى إلى امتلاك بنية تحتية مستقلة للاتصالات العالمية، وهو ما يجعل الإنترنت الفضائي أحد أبرز محركات التحول الرقمي العالمي خلال العقد المقبل.