مفرح الشمري
ليس كل ما يروى أمام الكاميرا يحتاج إلى ممثلين، فهناك حكايات يكفي أن يعيش أصحابها تفاصيلها حتى تصل إلى القلب. من هذه المساحة ينطلق الفيلم الوثائقي «نور» (Luminous)، للمخرج والمنتج منصور اليبهوني الظاهري، الذي يقترب من عالم أصحاب الهمم من الداخل، بعيدا عن الصورة التقليدية التي تختزل الإنسان في إعاقته.
ومن المقرر عرض الفيلم في دور السينما بدولة الإمارات العربية المتحدة خلال سبتمبر 2026، حيث يقدم ثلاث تجارب إماراتية مختلفة تجمع أصحابها الرغبة في الحياة، والقدرة على مواجهة التحديات، وتحويلها إلى مساحة لاكتشاف الذات والموهبة. وتتمثل هذه التجارب في نورة البلوكي، وأحمد الهاشمي، والدانة الهاشمي، الذين لا يقدمون أنفسهم بوصفهم «حالات» تستدعي الشفقة، وإنما أشخاصا لديهم أحلام ومواهب وطموحات تستحق أن ترى وتسمع.
اختار الظاهري أن يمنح أبطال الفيلم مساحة حقيقية للحديث عن أنفسهم، عن مخاوفهم وأسئلتهم واللحظات الصعبة التي مروا بها، وعن الطريق الذي قادهم إلى اكتشاف قدراتهم. ولذلك لا تبدو التجربة قائمة على رواية الآخرين لحكاياتهم، بقدر ما تتيح لهم أن يكونوا أصحاب الصوت والصورة والحكاية.
نورة البلوكي، التي تعمل في المجال الإعلامي، تفتح أمام الكاميرا جانبا من حياتها ورحلتها التي لم تكن خالية من التحديات، قبل أن تصل إلى مساحة من المصالحة مع الذات والإصرار على الاستمرار، وفي تجربتها، لا يصبح الكرسي المتحرك عنوانا لشخصيتها، بل تفصيلا من تفاصيل حياة امرأة استطاعت أن تثبت حضورها المهني وتواصل عملها وإبداعها.
أما أحمد الهاشمي، فيختار الموسيقى لغة للتعبير، أمام البيانو تتراجع الحاجة إلى الكلمات، لتتولى النغمات مهمة التواصل والكشف عن عالمه الداخلي. وتتحول الموسيقى في تجربته إلى مساحة للقول والتعبير، وإلى دليل على أن الموهبة قد تجد طريقها حتى في الظروف التي تبدو للآخرين أكثر صعوبة.
وتأتي الدانة الهاشمي بحكاية مختلفة، إذ جعلت من الكاميرا «عينها الثانية»، ومن شغفها بصناعة الأفلام وسيلة لفهم العالم والتعريف بتجربتها. لم يكن الوقوف أمام الكاميرا أمرا سهلا، لكنها اختارت مواجهة مخاوفها، لتكتشف أن الحديث عن التحديات لا ينتقص من الإنسان، وأن تقبل الذات قد يكون خطوة أولى نحو الاقتراب من الحلم.
وفي خلفية هذه الحكايات، تحضر تجربة منصور اليبهوني الظاهري كمخرج اختار أن يفتح مساحة مختلفة أمام أبطاله. فدوره لم يقتصر على نقل قصصهم إلى الشاشة، بل قام على إتاحة الفرصة لهم للمشاركة في صناعة تجربة فنية تعبر عنهم، وتمنحهم مساحة للتعبير عن ذواتهم بعيدا عن الصور النمطية.
وهنا تبرز خصوصية «نور»، فالفيلم لا يضع أصحاب الهمم في خانة واحدة، ولا يقدمهم من زاوية التحدي وحدها، بل يتيح لكل شخصية أن تظهر بما تحمله من اهتمامات وقدرات وأحلام. نورة في الإعلام، وأحمد في الموسيقى، والدانة في صناعة الأفلام، ثلاث طرق مختلفة، يجمعها البحث عن مساحة يستطيع فيها الإنسان أن يكون نفسه.
وبهذا المعنى، لا يبدو «نور» مجرد فيلم عن تجاوز الحواجز، بقدر ما هو محاولة للنظر إلى ما وراءها، إلى الإنسان الذي يعيش ويحلم ويعمل ويبدع، وإلى الفرص التي يمكن أن تتغير معها نظرة المجتمع إلى الاختلاف.
الفيلم يطرح رسالة بسيطة مفادها: قد يكون الحاجز واضحا للعين، لكن الإنسان الذي يقف خلفه أكبر من أن تختصره الحدود التي يراها الآخرون. ثلاث حكايات، وثلاثة مسارات مختلفة، لكن الضوء واحد.. ضوء الإنسان حين يجد من يؤمن بقدرته على أن يروي حكايته بنفسه.