بقلم: أ.د.مرزوق يوسف الغنيم
الأمين العام للمركز العربي لتأليف وترجمة العلوم الصحية
قبل أن نضع أيدينا على الهاتف، وقبل أن نفتح موقعا أو تطبيقا، يكون عقلنا قد بدأ بالفعل في السؤال الذي ظل يرافقنا منذ طفولتنا الأولى وهو: ماذا سيحدث بعد ذلك؟
هذا السؤال البسيط هو أحد مفاتيح فهم العقل البشري، فالإنسان لا يتعلم فقط من خلال الكتب والمدارس.. بل يتعلم من خلال التجربة، والمغامرة والتقليد، والمكافأة، والخطأ، والفضول، واللعب.
واللعب بهذا المقصود، ليس مجرد وسيلة لتمضية الوقت، ولا نشاطا هامشيا يختص به الأطفال، انه أحد المختبرات الطبيعية التي صاغت بها الحياة عقل الإنسان.
حينما يراقب الطفل كرة تتدحرج، ثم يحاول الإمساك بها، أو يبني برجا من المكعبات، ثم يهدمه ويعيد بناءه، أو يركض خلف أقرانه، أو يتظاهر بأنه طبيب، أو معلم، أو بطل خارق، فإن دماغه لا يكون في حالة فراغ.. إنه يعمل بكثافة.. فهو يجرب، ويتوقع، ويقارن، ويخطئ، ويصحح، ويكتشف قواعد العالم من حوله، وفي كل مرة يقول فيها الطفل وبفضول فطري: ماذا لو؟. فإنه بذلك يكون قد فتح نافذة جديدة في مختبر العقل. هذا المختبر اهتم به علماء النفس وعلماء الأعصاب منذ عقود، فقد رأى عالم النفس السويسري جان بياجيه أن اللعب يرتبط بالطريقة التي يبني بها الطفل فهمه للعالم، وأن الطفل لا يستقبل المعرفة بصورة سلبية، بل يشارك في بنائها من خلال التفاعل مع البيئة، أما عالم النفس الروسي ليف فيغوتسكي فقد أعطى اللعب، ولاسيما اللعب التخيلي، مكانة مركزية في التطور العقلي والاجتماعي، ورأى أن اللعب يفيد الطفل في أن يتجاوز سلوكه المباشر، ويجرب أدوارا وقواعد جديدة.
ثم جاء باحثون من علم الأعصاب والسلوك ليكشفوا أن اللعب ليس مجرد «ترف» تطوري بل يرتبط بالتعليم والتكيف والمرونة السلوكية، وقد كان الطبيب والباحث ستيوارت براون من أبرز من درسوا اللعب لدى الإنسان والحيوان، ودافع عن فكرة أن اللعب يمثل عنصرا أساسيا في النمو النفسي والاجتماعي، كما قدم عالم الأعصاب ياك بانكسب أبحاثا مؤثرة حول الأنظمة الانفعالية الأساسية في الدماغ، ومن بينها نظام «اللعب» مبينا أن الميل إلى اللعب ليس اختراعا ثقافيا حديثا، وإنما له جذور بيولوجية عميقة.
وهنا تبدأ الحكاية التي تهمنا في هذا المقال.
فإذا كان اللعب أحد المختبرات التي يتعلم فيها الدماغ، فماذا يحدث عندما تنتقل أجزاء من هذا المختبر إلى الشاشة؟
ماذا يحدث عندما تصبح المكافأة على شكل إشعار؟ وعندما تتحول المفاجأة إلى مقطع قصير جدا؟ وعندما يصبح التفاعل الاجتماعي مرهونا بإعجاب أو تعليق أو مشاركة؟ وماذا عندما لا يعود الطفل أو المراهق هو الذي يبحث عن اللعبة.. بل تصبح مجموعة من الخطوات الرياضية المنطقية المتسلسلة صممت خصيصا لحل أي مشكلة، هذه الخطوات هي التي تبحث باستمرار عن الشيء الذي سيبقيه داخل اللعبة.
ان السؤال هنا ليس: هل التكنولوجيا جيدة أم سيئة؟ فهذه الثنائية البسيطة لا تكفي لفهم عالم معقد. ان الألعاب الرقمية مثلها مثل وسائل التواصل، يمكن أن توفر فرصا للتعلم والإبداع والتواصل، كما أن بعض الأنشطة الرقمية التفاعلية قد ترتبط بمكاسب معرفية معينة. وفي المقابل يمكن لبعض أنماط الاستخدام المفرط أو المتقطع باستمرار أن تزاحم النوم، والحركة، والتفاعل الواقعي، واللعب الحر، والانتباه العميق. وتشير المراجعات الحديثة إلى أن العلاقة بين استخدام الوسائط الرقمية وتطور الدماغ ليست علاقة خطية بسيطة، بل تتأثر بنوع النشاط، وعمر المستخدم والسياق الاجتماعي، وطريقة الاستخدام.
هذا التفصيل مهم، لأن الخطر الأكبر ليس في وجود الشاشة بحد ذاتها، وإنما في تصميم التجربة التي تحدث داخلها. إن العقل البشري يحب المفاجأة، ويستجيب للمكافأة، ويتعلم من التغذية الراجعة، وهذه ليست نقاط ضعف في التصميم البيولوجي للإنسان، بل هي آليات ساعدته على البقاء والتعلم.
عندما ينجح الطفل في حل مشكلة، أو يجد شيئا جديدا، أو يفوز في لعبة، أو يحصل على قبول اجتماعي، فإن الدماغ يتعلم أن هذا السلوك مهم ويستحق التكرار، وتشارك في هذه العملية شبكات عصبية مرتبطة بالتعلم والتحفيز والمكافأة. والمشكلة في العالم الرقمي الحديث أنه يستطيع أن يضع هذه الآليات في بيئة شديدة الكثافة من مثل: إشعار يأتي دون موعد، ثم مقطع لا نعرف نهايته، ثم توصية جديدة، ثم تعليق، ثم إعجاب، يلي ذلك محتوى آخر أكثر إثارة. لا نعرف دائما ما الذي سيظهر بعد اللحظة الحالية، وهذه المفاجآت نفسها قد تصبح جزءا من قوة التجربة، وهنا يصبح الهاتف أكثر من جهاز اتصال، ويتحول إلى بيئة نفسية.
الهاتف النقال يدخل معنا إلى غرفة النوم، وإلى مائدة الطعام، وإلى المدرسة، وموجود معنا في السيارة عند تنقلنا.. ومع مرور الوقت، لا يعود السؤال فقط: كم ساعة قضيت أمام الشاشة؟ بل يصبح السؤال الأكثر عمقا: ما الذي فعلته الشاشة بعاداتي وانتباهي؟
بنيت أبحاث التطور العصبي أن الدماغ خصوصا في مرحلة الطفولة والمراهقة، لا يكون جهازا مكتملا وثابتا، وإنما يمر بعملية مستمرة من إعادة التنظيم والتخصص، وتحدث خلال المراهقة تغيرات مهمة في الشبكات المرتبطة بالتفكير الاجتماعي والمكافأة والتحكم في السلوك، وتشير أعمال سارة - جين بلاكمور أستاذة علم النفس وعلم الأعصاب المعرفي في جامعة كامبردج إلى استمرار التطور البنيوي والوظيفي في مناطق من الدماغ خلال هذه المرحلة، بما في ذلك إعادة تنظيم الوصلات العصبية في قشرة الفص الجبهي، وهي الجزء الأمامي من القشرة المخية المسؤول عن التفكير العالي والوظائف التنفيذية واتخاذ القرار.
ويؤكد كل من إيفلين كرون ورونالد دال الباحثين في مجال نمو المراهقين وتطور الدماغ والسلوك خلال فترة المراهقة، أن المراهقة ليست مجرد مرحلة «عدم نضج»، بل هي مرحلة تتميز بمرونة عالية، وتغيرات في الحساسية للمكافأة، والتفاعل الاجتماعي، وقدرة متنامية على التعلم، وإعادة ترتيب الأهداف.
ومن هنا نفهم لماذا يصبح عالم التواصل الاجتماعي شديد الأهمية في هذه المرحلة تحديدا. فالمراهق لا يبحث عن المعلومات فقط، بل هو يبحث عن ذاته، وعن مكانه بين الآخرين، وعن القبول والاستقلال، وعن سؤال داخلي عميق ومهم: من أنا؟
وعندما تدخل منصات التواصل إلى هذه العملية، فإنها لا تقدم محتوى محايدا. فقط، بل تقديم مرآة اجتماعية مستمرة.. من شاهدني؟ ومن أعجب بي؟ ومن تجاهلني؟ كم شخصا يتابعني؟ لماذا يبدو الآخرون أكثر نجاحا مني؟
وقد أشارت عالمة النفس البريطانية - الأستاذة في جامعة كامبردج إلى الكيفية التي يمكن بها لوسائل التواصل الاجتماعي أن تتفاعل مع التغيرات المعرفية والانفعالية والعصبية التي تحدث خلال مرحلة المراهقة، بما في ذلك المقارنة الاجتماعية والاستجابة للتغذية الاجتماعية الراجعة، والشعور بالإقصاء.
وهكذا، فإن مختبر العقل الذي بدأ بالكرة والمكعبات واللعب التخيلي، أصبح اليوم يضم مختبرا جديدا وهو: الشاشة.
لكن هناك فارق جوهري!
في اللعب التقليدي، غالبا ما يحدد الطفل قواعد اللعبة، ويغيرها حسب ما يريد، أما في البيئة الرقمية فقد تكون قواعد اللعبة مصممة مسبقا بواسطة شركات ومبرمجين هدفها - في كثير من الأحيان - زيادة التفاعل واستمرار الاستخدام، ولذلك فإن فهم أثر التكنولوجيا على الإنسان لا يمكن أن يكتفي بدراسة «المستخدم»، بل يحتاج أيضا إلى دراسة الهندسة النفسية للمنصة.
لم تعد المنافسة على المال وحده! بل أصحبت المنافسة على الانتباه، فالانتباه هو العملة التي يدفع بها العقل ثمن كل شيء تقريبا: التعليم، والقراءة، والتفكير، والحوار، والتأمل، والراحة، فإذا كانت البيئة المحيطة بنا تكافئ الانتقال السريع بين عشرات المثيرات، فقد يصبح الانتقال المستمر هو السلوك الذي يتدرب عليه العقل، وإذا كانت كل لحظة صمت قابلة لأن تملأ بمحتوى جديد، فقد يصبح الملل نفسه تجربة يصعب احتمالها.
ومن هنا لا يأتي السؤال في هذا المقال من موقف عدائي تجاه التكنولوجيا، ولا من حنين رومانسي إلى الماضي، فالإنسان مادام قد اخترع أدوات غيرت طريقة تفكيره وعمله. فالسؤال هو: هل ما زلنا نحن من يستخدم الأداة، أم بدأت الأداة تعيد تشكيل الطريقة التي نستخدم بها عقولنا؟
إن فهم هذا السؤال يبدأ من مكان أقدم بكثير من فيسبوك، وانستغرام، وغيرها كثير من المواقع. يبدأ من الطفل الذي يلعب، ومن الدماغ الذي يتعلم، ومن نظام المكافأة الذي يقول: كرر هذا السلوك، يبدأ من حب الاستطلاع ومن المتعة، ومن الرغبة في الاكتشاف، ومن حاجتنا العميقة إلى الآخرين.
ولهذا سننظر في هذا المقال إلى العقل باعتباره مختبرا، وإلى اللعب باعتباره إحدى أهم التجارب الطبيعية، وإلى التطور العصبي باعتباره عملية مستمرة لا تتوقف عند الطفولة، ثم سننتقل من اللعب الطبيعي إلى اللعب الرقمي، ومن المكافأة البيولوجية إلى اقتصاد الانتباه الذي يقول إن انتباه الإنسان أصبح موردا نادرا تتنافس الشركات والمنصات والأفراد على الحصول عليه. ومن حب الاستطلاع الصحي إلى التصميم الذي يستغل ذلك الحب، ومن التفاعل الاجتماعي الذي يبني الإنسان إلى التفاعل الرقمي الذي قد يستهلكه.. ان الغاية ليست أن نخاف من التكنولوجيا، وإنما أن نفهمها، لأن الإنسان الذي يفهم الطريقة التي يعمل بها عقله، يصبح أكثر قدرة على حماية انتباهه، واختيار عاداته، وتربية أطفاله، واستخدام التكنولوجيا دون أن يسمح لها هي بأن تستخدمه.
والسؤال الذي يمكن أن يطرح: كم ساعة تقضي أمام الشاشات؟ وهو سؤال ليس منطقيا، فالسؤال الذي يجب أن يطرح هو: أي عقل نبني، ونحن نقضي هذه الساعات؟