- احفظ جلدك مـن الغرز وقلبك من الوزر ودينك من الخطر
- الشرع لا يوزن بالموضة والحـلال لا يقاس بشهرة الفاعلين
- من طلب الزينة بمعصية أبدل الزينة حسرة والفرحة كسرة
أكد الإمام والخطيب في وزارة الشؤون الإسلامية د.فايز الديحاني أن الوشم جاء في فاعله اللعن والطرد والإبعاد من رحمة الله. وأن ما يدعي أن الوشم اصبح موضة ويفعله المشاهير والرياضيون وكثير من الناس فكثرة الفاعلين لا تجعل الحرام حلالا وأن الحق لا يعرف بالكثرة والشرع لا يوزن بالموضة والحلال لا يقاس بشهرة الفاعلين. وتناول د.الديحاني في حوار الفرق بين الوشم الدائم والمؤقت، وهل الوشم للرجال أم للنساء فقط، وتحدث بالتفصيل عن أحكام الوشم مستشهدا بالقرآن والسنة الشريفة. وإلى نص الحوار:
انتشرت بين الشباب العربي موضة الوشم تقليدا للغرب فماذا تقول؟
٭ الحمد لله الذي أحسن خلق الإنسان وصوره فأحسن التصوير، وجعل له من الحسن والجمال ما يستغني به عن تغيير الخلقة والعدوان، فالوشم من الزينة التي قد يستحسنها بعض الناس ويقبل عليها بعض الشباب والفتيات حتى صار عند طائفة منهم شعارا للتميز أو ذكرى لعلاقة أو صورة لشخص أو رمزا لمعنى، غير ان المسلم لا يقيس الامور بمجرد الهوى ولا يجعل الجمال ميزانا للحلال والحرام بل ميزانه كما قال الله سبحانه وقال رسوله. والوشم في حقيقته هو غرز الجلد بإبرة او نحوها حتى يسيل الدم ثم يوضع الصبغ أو اللون في موضع الغرز فيبقى اللون تحت الجلد ويصعب زواله وهذا حرام.
ما الدليل على تحريم الوشم؟
٭ جاء النص الصريح الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتلفجات للحسن المغيرات خلق الله»، وهذا الحديث ليس مجرد نهي عابر، بل جاء منه اللعن، واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله ولذلك كان الأمر شديدا والخطب فيه عظيما. فمن طلب الزينة عليه ان يحذر ان تكون الزينة سببا للعنة، ومن طلبت جمالا فاحذري ان تطلبي جمالا يجر عليك وبالا.
لماذا شدد النبي صلى الله عليه وسلم في الوشم؟
٭ لأن الوشم يجمع عدة معان منهي عنها، ومن ابرزها تغيير خلق الله طلبا للحسن قال الله تعالى حكاية عن إبليس: (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) وجاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه وصف هؤلاء بقوله «المغيرات خلق الله) فالمشكلة ليست في اللون وحده ولا في الصورة وحدها وإنما في الطريقة والمعنى والأثر إذ يغرز الجلد ويحبس اللون تحته ويجعل التغيير دائما طلبا للزينة، وقد ذكر اهل العلم ان النهي متعلق بما كان للتجميل وتغيير الخلقة اما ما كان لعلاج او لإزالة عيب معتبر فله حكم آخر.
ولماذا التحريم يشمل الواشمة والمستوشمة؟
٭ من دقة الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الواشمات والمستوشمات» فالواشمة هي التي تفعل الوشم بغيرها والمستوشمة هي التي تطلب أن يفعل بها الوشم، فلا يصح أن يقول الإنسان: أنا لا أرسمه بنفسي وإنما أذهب إلى من يرسمه لي، لأن النص تناول الطرفين ولهذا قرر العلماء ان الوشم محرم على الفاعلة والمفعول بها، إذا كان باختيارها، فلا تكوني يدا ترسم الحرام ولا جلدا يطلب الحرام، ولا تكن صانع الوشم ولا طالب الوشم.
كيف فهم الصحابة هذا الحديث؟
٭ من أعظم ما يبين خطورة المسألة موقف الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه لما بلغ امرأة من بني اسد انه يلعن الواشمات والمستوشمات قالت له: لقد قرأت القرآن فما وجدت فيه ذلك، فقال رضي الله عنه: «ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله» ثم استدل بقوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) والقصة ثابتة في صحيح مسلم وهنا درس عظيم ليس كل حكم شرعي يشترط ان تبحث عنه في آية مستقلة فالسنة وحي وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم من طاعة الله، فمن قال: اين تحريم الوشم في القرآن؟ فالجواب: قال الله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).
وبماذا ترد على من يعتبر الوشم موضة يفعله ناس كثيرون؟
٭ الوشم ليس موضة ومن يقول ان الوشم اصبح موضة ويفعله المشاهير ويفعله الرياضيون ويفعله كثير من الناس، نقول له إن كثرة الفاعلين لا تجعل الحرام حلالا، فالحق لا يعرف بالكثرة، والشرع لا يوزن بالموضة، والحلال لا يقاس بشهرة الفاعلين. وكم من أمر شاع بين الناس وهو عند الله ممنوع، وكم من سنة قل اهلها وهي عند الله مرفوعة، فالمؤمن اذا سمع «لعن الله الواشمات والمستوشمات» قال: سمعنا وأطعنا، ولم يقل: ماذا يقول الناس؟ وماذا تفعل الموضة؟ وماذا يفعل المشاهير.
ما الفرق بين الوشم الدائم والوشم المؤقت؟
٭ هنا ينبغي التفريق، الوشم الدائم الذي يكون بغرز الابرة وإدخال الصبغ تحت الجلد، فهذا هو الوشم الذي ورد فيه اللعن والنهي، اما الرسم المؤقت على ظاهر الجلد الذي لا يكون فيه غرز ولا إدخال صبغ تحت الجلد ويزول بعد مدة، فليس هو الوشم الدائم المنهي عنه في الحديث.
من جهة حقيقة الوشم، وقد ألحقه بعض اهل العلم بالزينة الظاهرة بشرط الا يشتمل على محرم آخر كصورة محرمة او شعار باطل او كشف عورة او ضرر، ولهذا لا يصح ان نخلط بين الرسم المؤقت والوشم الدائم، فالعبرة بحقيقة الفعل لا بمجرد الاسم.
هل الوشم للرجال ام للنساء فقط؟
٭ الحديث جاء بلفظ النساء لأن الوشم كان شائعا فيهن، لكن الحكم من حيث الاصل لا يختص بالمرأة اذا وجدت العلة نفسها، وقد نصت شروح الحديث على تحريم الوشم للرجال والنساء وإن كان وقوعه في النساء أكثر فليس للرجل ان يقول: إنما ورد الحديث في النساء فالوعيد المتعلق بالفعل نفسه والقاعدة ان الاحكام لا تختص بجنس دون جنس إلا بدليل.
ماذا يفعل من وقع في الوشم؟
٭ باب التوبة مفتوح فمن كان قد فعل الوشم جاهلا او فعله قبل ان يعرف الحكم او فعله ثم عرف التحريم فلا ييأس من رحمة الله. قال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) والتوبة تكون بالإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العودة إليه. أما إزالة الوشم فإن أمكن ازالته من غير ضرر معتبر فحسن، أما إذا كان ازالته لا تكون إلا بضرر شديد او تشويه او اذى معتبر فلا يكلف الانسان بما يضره وتكفيه التوبة من الذنب، وقد نقل اهل العلم التفصيل في إزالة الوشم بحسب امكان الازالة وعدم ترتب الضرر عليها.
ما رسالتكم إلى من يفكر في عمل الوشم؟
٭ أقول: يا من تقف امام صورة وتقول سأضعها على جسدي تذكر انها لن تكون صورة في هاتفك تستطيع حذفها بضغطة زر، بل اثر قد يبقى معك سنوات ويا من تقول: انها ذكرى لشخص احبه لا تجعل ذكرى البشر على جسدك سببا لمخالفة رب البشر. ويا من تقول: انها مجرد جمال تذكر ان اجمل الجمال ما كان في طاعة الله. ويا من تقول: كل الناس يفعلونه تذكر ان القبر لا يسأل عن الموضة وأن الميزان لا يزن الشهرة وأن العبد يقف بين يدي الله وحده فلا تجعل لذة لحظة سببا لحسرة مدة، ولا تجعل نقشا على الجلد جرحا في الدين ولا تجعل زينة زائلة سببا لعقوبة نازلة.
وأقول من طلب الجمال بالحرام افسد جماله وأضاع مقامه، ومن طلب الزينة بمعصية أبدل الزينة حسرة والفرحة كسرة ومن عظم امر الله صان جلده ودينه وحفظ زينته من ان تكون عليه وبالا وشينا، فيا عبدالله لا تغتر بزينة تزول وتترك اثرا لا يزول ولا تطلب حسن الصورة بقبح السيرة ولا تجعل جسدا اودعك الله امانة ميدانا للمعصية، فالجمال جمال الطاعة والزينة زينة العفاف، والعبرة بحسن الختام، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، ومن اتقى الشبهة سلم من الحسرة.
فالوشم زينة ترى لكن وراءها فتنة تروى، نقش على الجسد ووعيد في الأبد، فاحفظ جلدك من الغرز وقلبك من الوزر ودينك من الخطر.