يقول الله عزّ وجلّ: (نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم) من فضل أيمانهم سعت هذه الأنوار بين أيديهم، وكلنا نعلم ان هذا النور يختلف ويتفاوت حسب إيمان الإنسان فيجتاز به المؤمن الصراط وقد أنير له، وهناك من يضعف نوره، وهناك من يخفت فينطفئ، يا الله حتى وهم في هذا الموقف قد رأوا البشارات ومازالوا يطلبون الله؟ نعم، في حكاية تروى عن الإمام أحمد بن حنبل يقول إنه على فراش الموت وجد ابنه أباه يشير بإصبعه يقول: هكذا والله، فلما صحا سأله ابنه لم فعلت ذلك؟ قال: ذلك الشيطان يقول نجوت مني فأقول له لا، حتى أدخل الجنة.
وهكذا المؤمنون يوم القيامة يسعون بنور إيمانهم ويمشون بضيائه ويتمتعون بروحه وراحته ويشفقون إذا اطفئت الانوار التي تعطى المنافقين ويسألون الله ان يتمم لهم نورهم فيستجيب الله دعوتهم ويوصلهم بما معهم من النور واليقين الي جنات النعيم وجوار الرب الكريم، وكل هذا من اثار التوبة النصوح التي عقدها المؤمن لا يريد بها إلا وجه الله والقرب منه ويستمر عليها في جميع احواله.
صفة المؤمن(ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا) حال المؤمن لا يركن إلى عمله، لا يمكن ان يقول المؤمن: أنا صليت، أنا فعلت، المؤمنون وصفهم عزّ وجلّ بقوله (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) الوجل شدة الخوف الا يقبلها، لذلك يقول ابن القيم: المؤمن قلبه معلق بين الخوف والرجاء. مازال لا يغلب احدهما على الآخر يقول عزّ وجلّ: (إنك على كل شيء قدير).
يختم الله عزّ وجلّ هذه الآية العظيمة بالتذكير بقدرته، قدرة الله سيأتي تفصيلها في سورة تبارك فالقرآن يأخذ بعضه ببعض سلسلة نورانية لا تنقطع.
جهاد عظيم
ثم خاطب عزّ وجلّ النبي الكريم قال: (يا أيها النبي) بصفته تشريعا وتعظيما وبيانا لمكانته الكريمة، قال: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) كلاهما في الشر سواء الكافر والمنافق، أمر الله رسوله بجهاد الكفار والمنافقين بالسلاح والقتال بشدة وإقامة الحدود فيهم فاغلط عليهم في الدنيا (ومأواهم جهنم وبئس المصير) هذا مصيرهم في الآخرة.
مغزى ضرب الأمثال
ثم قال عزّ وجلّ (ضرب الله مثلا) في القرآن الله عزّ وجلّ دوما يضرب لنا الأمثال قال الله تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس - الحشر: 21) وضرب الله عزّ وجلّ المثل حتى يقرب المعنى للناس، فالمثل ذكر أمر مفهوم بأمر حتى يفهم ويدرك الإنسان هذا الأمر.
وفي السورة الكريمة التي عالج الله عزّ وجلّ فيها مشكلة أسرية حصلت في بيت النبوة ختمها عزّ وجلّ بهذا المثل الذي ضربه لأهل الإيمان وأهل الكفر فبين عزّ وجلّ ان الصلة بأهل الطاعة لا تكفر المعصية.
لن ينفعك إلا عملك؟
(ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط) اي شرف اعلى من ذلك؟ زوجات انبياء، هل فيه اقرب من اهل الصلاح من ان تكون زوجة نبي؟ فالقرب من اهل الصلاح ان لم تصلح في ذاتك لا ينفعك.
قال عزّ وجلّ: (كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين) وهذا اعلى مراتب التشريف للأنبياء ان يصفهم الله عزّ وجلّ بالعبودية (عبدين من عبادنا صالحين) (فخانتاهما) يعني امرأة لوط وامرأة نوح خانت كل منهما زوجها خيانة في العقيدة، فإنهما كانتا على الكفر وتحبان اهل الكفر لذلك لم ينفعهما قربهما من رسول (فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) وهذا تحذير للمؤمن: لا تظن ان هناك من يشفع لك لن ينفعك الا عملك ولن تدخل الجنة الا برحمة الله.
الثقة بالله
(وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون.... الآية) عندها الدنيا وقصورها فزهدت بكل ذلك وأرادت ما عند الله، قالت: (ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين) (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها) هذه البتول كانت قانتة لله عزّ وجلّ أرسل الله لها جبريل فنفخ في جيبها بالروح من عند الله الذي خلقها الله عزّ وجلّ فتشكل عيسى في بطن أمه (وصدقت بكلمات ربها) كان قلبها صادقا وفعلها موافقا لما وقر في قلبها فإن السلوك ترجمان العقيدة.
(ألقيت هذه المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء)