علي إبراهيم
في الثامنة صباحا تبدأ الحركة داخل إحدى الجمعيات التعاونية، عربات تمتلئ باحتياجات المنازل، ومستهلك يمرر بطاقته أمام جهاز الدفع، وآخر يشتري بعض احتياجاته السريعة قبل الذهاب إلى العمل.
وبعد ساعات، ينتقل المشهد إلى مطعم بأحد المجمعات التجارية وقت الغداء، ثم إلى متجر أو سوق شعبي بالمساء، بينما تنتهي عملية شراء أخرى في المنزل عبر المواقع الالكترونية على شاشة هاتف خلال دقائق.
عمليات تبدو صغيرة ومنفصلة، لكنها حين تتكرر يوما بعد يوم، ومن منطقة إلى أخرى، تصنع حركة مالية ضخمة تمتد عبر السوق الكويتي، وتكشف عن قوة الإنفاق الذي يمارسه المواطنون والمقيمون في تفاصيل حياتهم اليومية. فمن الجمعيات التعاونية والاستهلاكية والأسواق الموازية المنتشرة في مختلف المناطق، إلى المجمعات التجارية والمطاعم والصيدليات ومحال التجزئة والخدمات، وصولا إلى المتاجر والمواقع الإلكترونية، تتحرك الأموال عبر شبكة واسعة جعلت الإنفاق أحد أكثر الأنشطة الاقتصادية حضورا في الحياة اليومية. وتكشف أحدث بيانات بنك الكويت المركزي حجم هذه الحركة، إذ بلغ إجمالي الإنفاق نحو 37.606 مليار دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، موزعا بين نقاط البيع والمواقع الإلكترونية والتحويلات عبر «ومض» والسحب النقدي من أجهزة السحب الآلي.
لكن وراء الرقم الكبير قصة أهم: كيف ينفق الناس؟ وأين تتحرك هذه الأموال؟ ومن يستفيد منها؟
12.7 مليار دينار أمام الكاشير
تتصدر نقاط البيع المشهد بقيمة بلغت نحو 12.74 مليار دينار خلال الفترة، مستحوذة على نحو 33.9% من الإجمالي، والأكثر دلالة أن هذه الأموال تحركت من خلال نحو 683.146 مليون عملية شراء.
وهنا تظهر الصورة الحقيقية للسوق.
فنحن لا نتحدث عن صفقات ضخمة محدودة، وإنما عن مئات الملايين من المرات التي وقف فيها شخص أمام صندوق الدفع في جمعية أو سوق أو متجر أو مطعم، وأخرج بطاقته أو هاتفه وسدد قيمة ما اشتراه.
وكل عملية منها تبدأ عند المستهلك، لكنها لا تنتهي عند الكاشير. فالجمعية تحتاج إلى إعادة تعبئة رفوفها، والمتجر يطلب بضاعة جديدة، والمطعم يشتري احتياجاته، والمورد يحتاج إلى مخازن ونقل وتوزيع، بينما تتحرك في الخلفية خدمات مصرفية وتقنية وعمالة وتسويق وعشرات الأنشطة المرتبطة بهذه الدورة.
11.4 مليار دينار من الشاشة
وفي الجهة الأخرى، لم يعد المستهلك بحاجة دائما إلى الوصول إلى المتجر حتى يشتري.
فقد سجل الإنفاق عبر المواقع الإلكترونية نحو 11.429 مليار دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، بما يعادل نحو 30.4% من الإجمالي، وهو رقم يكشف حجم التحول الذي طرأ على طريقة الشراء في الكويت. فالمتجر أصبح موجودا داخل الهاتف، والمستهلك يستطيع الانتقال خلال دقائق بين عشرات الخيارات، وإتمام عملية الشراء والدفع من المنزل أو المكتب. وهذا التحول لم يخلق قناة إضافية للبيع فقط، بل بنى حوله أنشطة أخرى تستفيد من كل طلب إلكتروني، من منصات الدفع والتقنية إلى المستودعات والتوصيل والتسويق الرقمي وخدمة العملاء.
السوق موجود في كل منطقة
وإذا كانت المجمعات التجارية تمثل الواجهة الأكثر وضوحا للاستهلاك، فإن جانبا مهما من قوة السوق الكويتي يكمن خارجها، ففي كل منطقة تقريبا توجد جمعية تعاونية وأسواق موازية ومحال ومطاعم وصيدليات وخدمات مختلفة، بما يجعل الإنفاق موزعا جغرافيا وقريبا من المستهلك، وهذه الشبكة الواسعة تعني أن حركة الشراء لا تنتظر عطلة نهاية الأسبوع أو مواسم التخفيضات، فهناك احتياجات أسرية وغذائية وخدمية تتكرر كل يوم، ومن هنا تتحول المنطقة السكنية نفسها إلى دائرة اقتصادية صغيرة، المستهلك في مركزها، وحوله التجار والموردون والخدمات التي تتحرك لتلبية احتياجاته.
«الكاش» يتراجع.. والقنوات تتنوع
ولا تقتصر حركة الأموال على الشراء المباشر، إذ سجلت التحويلات عبر خدمة «ومض» نحو 7.698 مليارات دينار، بما يمثل نحو 20.5% من الإجمالي، فيما بلغ السحب النقدي عبر أجهزة السحب الآلي نحو 5.738 مليارات دينار، أو نحو 15.3%.
وتكشف هذه التركيبة كيف تغيرت العلاقة بين المستهلك والمال، فالبطاقة والهاتف والموقع الإلكتروني والتحويل الفوري أصبحت جميعها جزءا من الحياة المالية اليومية، بينما يستمر النقد إلى جانبها كقناة أخرى.
والنتيجة سوق يستطيع المستهلك أن يتحرك داخله بأكثر من وسيلة، ويستطيع التاجر الوصول إليه عبر أكثر من منفذ.
الدينار يفتح باباً لغيره
وهنا تتجاوز قصة الإنفاق حدود الاستهلاك نفسه، فقوة السوق تمنح صاحب المشروع فرصة ليبحث عن احتياج لم تتم تلبيته، وتمنح المطعم مساحة للتوسع، والمتجر فرصة للوصول إلى منطقة جديدة، والمشروع الإلكتروني قدرة على البيع دون الحاجة إلى واجهة تجارية كبيرة، وكلما تعددت احتياجات المستهلك وطرق الوصول إليه، اتسعت المساحة أمام الأفكار الجديدة في التجارة والخدمات والتكنولوجيا والتوصيل والمدفوعات والتسويق، لذلك، لا تقاس قوة السوق فقط بما ينفقه الناس، وإنما بحجم النشاط الذي يستطيع هذا الإنفاق أن يصنعه حوله.
ومن عربة تتحرك بين رفوف الجمعية، إلى حقيبة تخرج من متجر في أحد المجمعات، ثم طلب يصل إلى منزل بعد شرائه إلكترونيا، تتكرر الحكاية ملايين المرات، وفي كل مرة يدفع فيها المستهلك، تتحرك معه عجلة أخرى في السوق.
683 مليون عملية شراء أمام الكاشير
نحو 683.146 مليون عملية شراء نفذت عبر نقاط البيع خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بقيمة إجمالية بلغت 12.74 مليار دينار، وربما يكون عدد العمليات أكثر تعبيرا عن حركة السوق من قيمتها وحدها، فخلفه مئات الملايين من المواقف اليومية في الجمعيات والأسواق والمطاعم والصيدليات والمتاجر ومختلف الأنشطة. ومع كل عملية بيع، تتحرك سلسلة أخرى خلفها تشمل المورد والتخزين والنقل والعمالة والخدمات المصرفية والتقنية، لذلك، فإن ما يدفعه المستهلك عند الكاشير لا يمثل نهاية دورة المال، وإنما بداية انتقاله إلى أجزاء أخرى من الاقتصاد.
11.4مليار دينار.. إنفاق عبر المواقع الإلكترونية
بلغ الإنفاق عبر المواقع الإلكترونية نحو 11.429 مليار دينار خلال أول 8 أشهر من 2026، ليكشف عن سوق رقمية أصبحت جزءا رئيسيا من سلوك المستهلك، وبالنسبة لأصحاب الأعمال، لم يعد الوصول إلى العميل مرتبطا فقط باختيار موقع جيد للمتجر، فالموقع الإلكتروني والتطبيق والدفع الرقمي والتوصيل أصبحت جميعها أجزاء من واجهة البيع. ومع كل انتقال إضافي للشراء إلى الشاشة، تنشأ فرص موازية أمام شركات التقنية والتوصيل والتخزين والتسويق وخدمات الدفع، ما يجعل التجارة الإلكترونية أكثر من مجرد قناة جديدة للبيع، إنها سوق تخلق حولها أسواقا وخدمات أخرى.