- كائنات جُمعت من سواحل الكويت وخضعت للتصنيف باستخدام التقنيات الحديثة في البيولوجيا الجزيئية
- مقارنة العينات الكويتية بأنواع محفوظة بالمتاحف الدولية أكدت اختلافات دقيقة وفحوص الـ DNA أثبتتها
- التصنيف التكاملي كشف أن محاريات كانت مسجلة بأسماء علمية لأنواع أخرى ووثقت بأسماء أخرى
- توثيق الأنواع البحرية ليس مجرد إضافة علمية بل أساس لرصد آثار التلوث والتسربات النفطية
دارين العلي
وصفت الباحثة العلمية في مركز أبحاث البيئة والعلوم الحياتية في معهد الكويت للأبحاث العلمية د.منال الكندري العام 2026 بأنه «عام الاكتشافات» بالنسبة إلى أبحاث التنوع الأحيائي البحري في الكويت، كاشفة عن توثيق اكتشافات جديدة لكائنات بحرية جمعت من السواحل الكويتية، من بينها نوعان من الديدان البحرية وثلاثة أنواع من المحاريات، بعد إخضاعها لدراسات تصنيفية دقيقة واستخدام التقنيات الحديثة في البيولوجيا الجزيئية.
وقالت الكندري إن الكائنات البحرية التي يعمل عليها الباحثون جمعت من مختلف سواحل الكويت، وخضعت لعمليات التصنيف والتوثيق، مشيرة إلى أن هذه الدراسات تأتي بدعم من معهد الكويت للأبحاث العلمية ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي ضمن مشروع دراسة المحاريات غير المحسومة تصنيفيا باستخدام منهج التصنيف التكاملي، دعما لتوثيق التنوع الأحيائي البحري في الكويت وتعزيز المعرفة العلمية به للأجيال القادمة.
وأوضحت أن هذه الدراسات بدأت بالفعل تسفر عن اكتشافات جديدة، تضاف إلى اكتشافات سابقة تحققت في دراسة الديدان البحرية التي جمعت أيضا من سواحل الكويت، حيث تم رصد وتوثيق نوعين من الديدان البحرية، وتم تسجيلهما في أوراق علمية عالمية محكمة.
وأضافــت أن العمــــل لم يتوقف عند الديدان البحرية، إذ أسفر المشروع الحالي الخاص بالمحاريات عن نتائج جديدة، من بينها ثلاثة أنواع من المحاريات تبين بعد الدراسة التفصيلية أنها تختلف عن التصنيفات العلمية التي كانت تنسب إليها في السابق.
3 محاريات
وأوضحــــت أن أول الأنواع الثلاثة عبارة عن محارة تلتصق بالصخور، وتم رصدها فــي أنجفة وجزيرة مسجان ومواقع أخرى في الكويت، وهي أوستريا سابوكولا (Ostrea sorosubucula)، التي حسمت هويتها من خلال الجمع بين الصفات المورفولوجية والتشريحية والتحليل الجزيئي.
وأشارت إلى أن النوع الثاني هو «أنادارا أدياستولا»، التي يمكن مشاهدتها في المسطحات الرملية والطينية، ومن المناطق التي تم رصدها فيها جزيرة مسجان والشويخ، إضافة إلى المناطق الساحلية ومنها الدوحة الغربية.
اكتشاف «الباجيلا»
أما الاكتشاف الأحدث، وهو المحارة الثالثة، فقالت الكندري إن الورقة العلمية الخاصة به حصلت على الموافقة، ومن المنتظر نشرها رسميا في إحدى المجلات المحكمة المتخصصة، موضحة أن لهذا النوع قصة مرتبطة بالتسمية المحلية الكويتية.
وأضافت أنها خلال الرحلات الميدانية التي تشارك فيها مع الطلبة والمتطوعين، كانوا يطلقون على هذه المحارة اسم «الباحيلا»، بسبب شكلها عندما تكون مغلقة وملتصقة بالصخور، إذ يشبه بالفعل حبة «الباجيلا» أي الفول.
وأضافت أن الاسم المقترح علميا هو «ديديماكار باجلوبسيز» ليحمل النوع الجديد بذلك اسما ذا أصل كويتي عند تسجيله ضمن القوائم العلمية العالمية، وسيتم توثيق النوع للمرة الأولى عالميا، وسيكون الاسم الكويتي جزءا من هويته العلمية المسجلة دوليا.
وأكدت الكندري أن أهمية هذه الخطوة لا تقتصر على اكتشاف كائن جديد، بل تتمثل أيضا في أن اسما مستوحى من البيئة والثقافة المحلية الكويتية سيدخل القوائم العلمية العالمية ويصبح مرتبطا بصورة رسمية بنوع بحري موثق للمرة الأولى.
تصنيف تكاملي
وقالت إن هذه المحاريات كانت مصنفة في السابق بأسماء علمية لأنواع كان يعتقد أنها تنتمي إليها، إلا أن الدراسات الجديدة أظهرت أنها ليست الأنواع ذاتها، وإنما أنواع أخرى مختلفة.
وأشارت إلى أن الفريق استخدم ما يعرف بـ«التصنيف التكاملي» للوصول إلى النتائج، وهو منهج لا يعتمد على خاصية واحدة في تحديد النوع، وإنما يجمع مجموعة من الأدلة العلمية.
وبينت أن الدراسة تبدأ بفحص الصفات الخارجية للصدفة نفسها، ثم تنتقل إلى الصفات الداخلية من خلال تشريح الكائن الرخوي الموجود داخلها، إضافة إلى أخذ الحمض النووي DNA واستخدام تقنيات البيولوجيا الجزيئية.
وأضافت أن الجمع بين هذه الوسائل أظهر أن العينات التي تمت دراستها تنتمي إلى أنواع مختلفة عن تلك التي كانت مسجلة تحت أسمائها سابقا.
أهمية الاكتشافات
وعـــن أهميـة هــــذه الاكتشافات بالنسبة إلى البيئة البحرية الكويتية، شددت الكندري على أن تصنيف الأنواع ليس هدفه مجرد الإعلان عن اكتشافات أو إضافة أسماء علمية جديدة.
وقالت إن تحديد الأنواع وتصنيفها بصورة صحيحة يشكل أولا إضافة إلى التنوع الأحيائي البحري المسجل في الكويت والمنطقة، كما يمثل إضافة إلى المعرفة العلمية العالمية بالتنوع البيولوجي.
وأضافت أن معرفة الكائنات الموجودة في البحر الكويتي بأسمائها العلمية الصحيحة تشكل قاعدة أساسية لأي عملية تقييم بيئي مستقبلية.
وأوضحت أنه في حال وقوع أي حادث بيئي في المستقبل، سواء كان تسربا نفطيا أو تلوثا أو مشروع تطوير ساحلي، فإن وجود قاعدة علمية دقيقة للأنواع البحرية المسجلة يتيح للباحثين معرفة تأثير الحادث أو المشروع على البيئة.
وأكـــدت أن أهميــــة التصنيف تظهر بصورة أكبر عند مقارنة حالة البيئة البحرية قبل الحوادث والتغيرات البيئية وبعدها، فمع وجود توثيق علمي سابق للأنواع، يصبح بالإمكان تحديد الأنواع التي كانت موجودة ثم اختفت، أو تلك التي انخفضت أعدادها، أو التي شهدت تغيرات في انتشارها نتيجة الضغوط والتغيرات البيئية.
وشددت على أنه لا يمكن إجراء هذا النوع من التقييم بصورة علمية دقيقة من دون وجود معرفة أساسية مسبقة بالتنوع الأحيائي للبيئة البحرية الكويتية.
بيئة الكويت ثرية
وأكدت أن البيئة البحرية الكويتية ما زالت ثرية بأنواع تحتاج إلى الدراسة والتوثيق، وأن معرفتنا بتنوعها الأحيائي لم تكتمل بعد.
فقد تكون بعض الأنواع موجودة أمامنا منذ عقود، لكنها متشابهة ظاهريا مع أنواع أخرى إلى درجة تجعل التعرف إليها بالطرق التقليدية وحدها صعبا.
ومـــع تطـــور أدوات التصنيف التكاملي، التي تجمع بين العمل الميداني، ودراسة الصفات الشكلية والتشريحية، والمقارنة بالمجموعات المرجعـــية والمتاحـــف، والتحليــل الجيني، أصبح بالإمكان إعادة قراءة هذا التنوع بصورة أكثر دقة.
وهذا يعني أن كل عينة تجمع اليوم قد تحمل معلومة جديدة، وأن بعض الأسئلة التصنيفية القديمة قد تخفي وراءها اكتشافات لم تظهر بعد.
قصة «أنادارا أدياستولا» محارة كانت معروفة.. لكن بلا اسم محسوم
تروي د.منال الكندري قصة المحارة الثانية التي اكتشفت ووثقت من السواحل الكويتية، حيث ظهرت هذه المحارة خلال المسوحات السابقة للرخويات في الكويت، وسجلت في دراسة عام 2020 تحت اسم «أنادارا» (Anadara sp.)، أي أن الباحثين كانوا يعرفون الجنس الذي تنتمي إليه، لكن هويتها على مستوى النوع ظلت غير محسومة.
ومن هنا أصبحت هذه المحارة واحدة من الأنواع التي استهدفتها الدراسات الحالية للتحقق من هويتها.
وخلال الفترة من 2024 إلى 2026، ركز فريق البحث على جمع عينات حية وحفظها بالطريقة الصحيحة للتحليل الجيني، وتم الحصول عليها من الجديليات والشويخ وجزيرة مسكان في الكويت.
والنوع ليس محارة أسمنتية تعيش مثبتة على الصخور كما هو الحال في بعض أنواع المحار، بل تعيش مدفونة جزئيا أو بشكل سطحي في البيئات ذات رواسب طينية رملية، عند الأجزاء المنخفضة من منطقة المد والجزر، وقد سجل وجودها في عدد من المواقع في شمال الكويت وخليج الكويت، من بينها الشميمية في خور الصبية، والجديليات والشويخ وجزيرة أم النمل في خليج الصليبيخات، والبلاجات في السالمية، وجنوب جزيرة فيلكا، وجزيرة مسكان وجنوب بوبيان.
ولم تتوقف الدراسة عند الشكل الخارجي، بل تمت مقارنة شكل الصدفة، وعدد الأضلاع عليها، وتفاصيل سطحها، والصفات التشريحية للأجزاء الرخوة داخلها مع أنواع أنادارا المعروفة من الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي الغربي، وبدأت الفروق تظهر.
فالنوع الكويتي يتميز بصدفة مستطيلة إلى شبه منحرفة، مع غطاء عضوي سميك عليه خطوط بارزة تشكل 31 إلى 35 ضلعا شعاعيا، تمتد بينها شعيرات طويلة في الجزء الأمامي والخلفي من الصدفة. وهذه المجموعة من الصفات مجتمعة ميزته عن الأنواع المعروفة التي تمت مقارنته بها، لكن بقي السؤال الحاسم: هل نحن فعلا أمام نوع جديد على العلم؟
الـ DNA يحسم المفاجأة
للتأكد، انتقلت الدراسة إلى المستوى الجزيئي باستخدام جين COI المستخدم في الباركود الجيني.
ولم تكن المقارنة محدودة بعدد قليل من العينات، فقد تمت مقارنة العينات الكويتية مع 581 تسلسلا جينيا مرجعيا من قاعدة بيانات التسلسل الجيني في بنك الجينات (GenBank)، بالإضافة إلى تسلسلات جينية من عينات من عمان، ليصل مجموع التسلسلات التي دخلت التحليل إلى 588 تسلسلا.
وهنا جاءت النتيجة التي حسمت القصة.
العينات الكويتية شكلت سلالة جينية متميزة وعالية التباعد عن جميع السلالات الأخرى المتاحة للمقارنة، وهو ما يؤكد أن العينات الكويتية لا تتطابق مع أي نوع مسمى متاح في قاعدة البيانات.
وعندما اجتمعت الأدلة المورفولوجية والتشريحية والجغرافية والجزيئية، لم يعد الأمر مجرد شك أو اختلاف بسيط، بل تأكد أن الكويت أمام نوع مستقل وجديد على العلم، وسمي النوع الجديد أنادارا أدياستولا (Anadara adiastola)، وهذا الاسم يلخص رحلة البحث الخاصة بها.
فاسم أدياستولا (adiastola) مشتق من الكلمة اليونانية adiastolos التي تعني تقريبا «الملتبس» أو «غير المميز بوضوح»، في إشارة إلى حالة عدم اليقين التصنيفي التي أحاطت بهذه المحارة لسنوات قبل أن تكشف الدراسات الحديثة هويتها الحقيقية.