ياسر العيلة
عندما يولد الشغف من رحم الإصرار، تتلاشى المستحيلات، فهناك أحلام لا تنتظر مظلة دعم أو رعاية جهات، بل تبني طريقها بالجهد الذاتي والإيمان المخلص، وهذا تماما ما تجسد في الحكاية الملهمة للفنان والمخرج محمد الحملي وصديقه الفنان عبدالله الخضر، اللذين حولا فكرة حالمة إلى واقع مسرحي نابض بالحياة، بإنشاء مهرجان «باك ستيج المسرحي». لقد أثمرت جهودهما الذاتية عن ولادة مهرجان بات منصة حقيقية تدعم الطاقات الشبابية، وتكرم قامات مسرحية أثرت الساحة، وتستذكر بفخر من رحلوا عن دنيانا وتركوا بصمة لا تنسى. وما بدأ قبل سنوات كفكرة طموحة، واصل رحلته بثبات من الدورة الأولى مرورا بالثانية، وصولا إلى افتتاح دورته الثالثة أول من أمس، برعاية المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وسط حضور جماهيري لافت ملأ جنبات مسرح نادي السالمية الرياضي، الذي يحتضن فعاليات وعروض المهرجان على مدار عشرة أيام، تحت شعار «صنع الفرص الإبداعية في المسرح».
وحملت الدورة الثالثة اسم الفنان الكبير جاسم النبهان تقديرا لمسيرته الفنية وما قدمه للحركة المسرحية، فيما اختير الفنان القدير عبدالرحمن العقل شخصية للمهرجان، إلى جانب توليه رئاسة لجنته العليا.
واستهل حفل الافتتاح بعزف السلام الوطني، أعقبه عرض مسرحي بعنوان «كنا ولا زلنا وسنظل»، من تأليف وإخراج سلطان محمد، في لفتة فنية استحضرت محطات من ذاكرة المسرح الكويتي وأسماء تركت بصماتها في وجدان الجمهور.
وشهد العرض مشاركة الفنان محمد المنصوري، الذي جسد شخصية الفنان ولد الديرة في مسرحية «لولاكي»، والفنان ماجد البلوشي في شخصية الفنان طارق العلي بمسرحية «آه يا درب الزلق»، فيما قدم بشار الجزاف شخصية الفنان داود حسين في مسرحية «انتخبوا أم علي»، وجسد خالد الديحاني شخصية الفنان صالح الباوي في مسرحية «الكورة مدورة». كما شارك الفنانان فاطمة أسد وناصر الشايع في تجسيد شخصيتين تحلمان بأن تصبحا فنانتين في يوم من الأيام، إلى جانب مشاركة الفنان أحمد بن حسين والفنانة أماني الدوب بالغناء.
وعقب انتهاء العرض، صعدت النجمة هند البلوشي لتقديم فقرات الحفل، حيث أدارت المناسبة بحضور لافت وأداء متميز حظي بإشادة الحضور، وكشفت أن الدورة الثالثة تشهد تنافس عشرة عروض مسرحية مقدمة من جهات مختلفة.
وأعلنت البلوشي تخصيص مؤسسة «باك ستيج قروب» مجموعة من الجوائز للمنافسة بين العروض المشاركة، تشمل أفضل تأليف وإخراج مسرحي، وأفضل ممثل وممثلة دور أول ودور ثان، وأفضل ممثل وممثلة واعدين، إلى جانب جوائز أفضل ديكور وإضاءة وأزياء ومكياج ومؤثرات صوتية، فضلا عن جائزة أفضل عرض متكامل، وثلاث جوائز خاصة بالمهرجان.
وشهد الحفل كلمات لمدير المهرجان الفنان محمد الحملي، والمدير التنفيذي الفنان عبدالله الخضر، والمشرف العام الفنان يوسف الحشاش، حيث تحدث الحملي عن الحلم الذي جمعه بالخضر بإقامة مهرجان مسرحي يدعم الطاقات الشبابية من خلال مبادرة يقودها القطاع الخاص، مؤكدا أن «باك ستيج» يسعى إلى دعم الهوية الفنية الكويتية، وفتح الأبواب أمام الشباب ومنحهم فرصا حقيقية لإثبات قدراتهم على خشبة المسرح.
ومن جانبه، شدد الفنان عبدالله الخضر في كلمته على حرص إدارة المهرجان على توفير كل التسهيلات والإمكانيات اللوجستية والفنية للتجارب المشاركة، مؤكدا أن المهرجان يسعى ليكون منصة متكاملة تحتضن شغف الشباب وتمنحهم مساحة للتعبير والتميز المسرحي.
بدوره، حرص يوسف الحشاش على توجيه الشكر لكل من يساهم في استمرار هذا المشروع، مشيرا إلى أهمية منح العرض الفائز فرصة للالتقاء بالجمهور من خلال تقديمه على خشبة المسرح وإتاحة شباك التذاكر أمامه، في خطوة تمنح النجاح الفني امتدادا جماهيريا حقيقيا.
أما الفنان القدير جاسم النبهان، حامل شعار الدورة الثالثة، فقد حملت كلمته مجموعة من المعاني التي تعكس فلسفته تجاه المسرح، مؤكدا أن العمل المسرحي يقوم في الأساس على الجماعية، وهو ما يتطلب أن يحب أفراده بعضهم بعضا وأن يحترموا الأدوار ويتقيدوا بالتوجيهات.
وأشار إلى أن المسرح يعلم الإنسان القيادة والانضباط والانسياق لتعليمات القائد، كما يسهم في بناء مواطن محب لأرضه، ومخلص لوطنه وقيادته، ومتمسك بموروثه وهويته. وأشاد النبهان بالتجارب المسرحية التي قدمها محمد الحملي، وخص بالذكر مسرحية «موجب»، في شهادة تقدير من قامة فنية كبيرة لتجربة شابة استطاعت أن تفرض حضورها.
وكان الوفاء حاضرا بقوة في حفل الافتتاح، حيث شارك الفنان جاسم النبهان والمخرج نجف جمال، إلى جانب الفنانين محمد الحملي وعبدالله الخضر، في تكريم عدد من الشخصيات الفنية والإعلامية.
وجاءت البداية بتكريم الفنان القدير عبدالرحمن العقل، شخصية المهرجان، قبل أن تتجه الأنظار إلى ثلاث قامات فنية رحلت عن دنيانا، لكنها ما زالت حاضرة في ذاكرة جمهورها وزملائها.
فقد تم تكريم الفنانة القديرة الراحلة حياة الفهد، وتسلم جائزتها الإعلامي والمحامي خالد الراشد، رئيس الاتحاد الكويتي للإنتاج الفني والمسرحي وصناع الترفيه، كما تم تكريم الفنان والملحن الراحل خالد السلطان، وتسلم الجائزة نجله الملحن وليد السلطان. وشمل التكريم أيضا الفنان الكوميدي الراحل جابر صباح، وتسلم جائزته شقيقه الفنان طاهر صباح، الذي أعرب عن شكره وتقديره لمؤسسة «باك ستيج قروب» على هذه المبادرة التي تجسد الوفاء لأسماء أسهمت في إثراء الحركة الفنية.
ولم يغفل المهرجان تكريم مريم عبدالرحيم، رئيسة لجنة متابعة عروض مسرح الكبار بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، تقديرا لجهودها في متابعة ودعم الحركة المسرحية.
وامتدت قائمة المكرمين لتشمل مجموعة من الأسماء التي تنوعت تجاربها وإسهاماتها الفنية والإعلامية، حيث تم تكريم الفنانة القديرة هيفاء عادل، والإعلامية القديرة أمل عبدالله، التي حرصت على توجيه كلمة للحضور أكدت خلالها أهمية الوفاء باعتباره قيمة إنسانية لا ينبغي أن تغيب عن حياتنا، داعية الشباب إلى التمسك بها، ومعتبرة أن اجتماع هذه الكوكبة من الفنانين جاء احتفاء بهذه القيمة النبيلة.
كما شمل التكريم الفنان حمد العماني، والمخرج فهد الفلاح، والفنان شملان المجيبل، وتسلم التكريم نيابة عنه الفنان شاهين الشاهين، إلى جانب الفنانين محمد العبدالرزاق ودعيج الخميس وغدير حسن وعبدالرحمن الفهد وريان دشتي.
واختتمت قائمة التكريمات بالاحتفاء بأعضاء اللجنة الفنية ولجنة التحكيم، تقديرا لجهودهم ودورهم في متابعة العروض وتقييم المشاركات.