ياسر العيلة
في أجواء طربية اتسمت بالدفء والسعادة، أعادت أمسية «دندنة مع مساعد»، التي أقيمت مساء أمس الأول في القاعة المستديرة بمركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، الاعتبار لمتعة الغناء القريب من القلب، بعيدا عن صخب الحفلات الجماهيرية الكبيرة، حيث كان العود سيد المشهد، والصوت الجميل حاضرا بكل تفاصيله، والجمهور شريكا في صناعة لحظات موسيقية استثنائية.
الأمسية التي أحياها المطرب مساعد البلوشي من إنتاج شركة «الرؤية الفنية»، أكدت نجاح هذه التجربة التي تواصل عامها الثاني، بعدما انطلقت في موسمها الأول بأمسية «دندنة مع الضويحي»، لتقدم في كل مرة شكلا مختلفا من اللقاءات الغنائية التي تستعيد أصالة الأغنية الكويتية والخليجية.
وكان مساعد البلوشي على قدر الرهان، إذ أثبت أنه مطرب يمتلك خامة صوتية مميزة ونبرة دافئة مشبعة بالشجن، إلى جانب قدرته اللافتة على العزف على العود، وهو ما منح أداءه خصوصية إضافية، وجعل الأغنيات أكثر قربا من وجدان الحضور، كما بدا واضحا انسجامه مع طبيعة المكان، مستمتعا بالغناء ومتفاعلا مع جمهوره بعفوية وارتياح.
واختار البلوشي أن يأخذ الحضور في رحلة بين مجموعة من الأغنيات التي تحمل ذكريات خاصة لدى عشاق الطرب، فقدم «ورق خسران» و«فزيت من نومي»، كما استعاد أعمالا لعمالقة الأغنية الخليجية، من بينها «العيون» للفنان عبدالله الرويشد، و«ما عاد بدري» و«محتاج لها» لفنان العرب محمد عبده، و«كما الريشة» للراحل أبوبكر سالم، وصولا إلى واحدة من المحطات التي لامست مشاعر الجمهور، عندما غنى «ما نسيناه» للراحل عبدالكريم عبدالقادر، وسط تفاعل لافت من الحضور.
ومن أبرز عناصر نجاح «دندنة» خصوصية القاعة المستديرة، التي تمنح هذه اللقاءات الغنائية روحا مختلفة، فالمسافة المحدودة بين الفنان والجمهور تخلق حالة من الألفة والتواصل المباشر، وتجعل المستمع جزءا من التجربة، لا مجرد متلق يجلس في مقعده، وهنا تكمن جاذبية الفكرة، فالفنان يغني بعفوية أكبر، والجمهور يعيش تفاصيل الأداء والعزف وكأنه في جلسة موسيقية خاصة.
وقد امتدت الأمسية لنحو 140 دقيقة، بينها استراحة لمدة 20 دقيقة، ولم يكتف مساعد بالوقت المحدد، بل استجاب لرغبة الجمهور ومدد الغناء 15 دقيقة إضافية، في إشارة واضحة إلى حالة الانسجام التي جمعت الطرفين.
ومن وجهة نظري، فإن «دندنة» ليست مجرد حفل غنائي بمرافقة العود، بل تجربة فنية تستحق الاستمرار، لأنها تعيد تقديم الأغنية الخليجية بروحها الأصيلة، وتمنح المطرب مساحة لإظهار جوانب قد لا تتاح له بالقدر نفسه فوق المسارح الكبيرة. كما أن نجاح أمسية مساعد يؤكد أن الجمهور لا يبحث دائما عن الإبهار البصري والصوتي، بل يحتاج أحيانا إلى صوت جميل، وعود صادق، وأغنيات تسكن ذاكرته ولا يمكن الحديث عن نجاح هذه التجربة دون الإشادة بشركة «الرؤية الفنية» للإنتاج الفني والمسرحي، التي أثبتت من خلال سلسلة «دندنة» امتلاكها رؤية إنتاجية متميزة، وقدرة على تقديم أفكار غنائية غير تقليدية، تنفذها باحترافية واهتمام بالتفاصيل، بعيدا عن النمط المعتاد للحفلات. فبعد نجاح «دندنة مع الضويحي»، جاءت «دندنة مع مساعد» لتؤكد أن الشركة لا تكتفي بتنظيم أمسية غنائية، بل تصنع هوية فنية لها خصوصيتها وجمهورها.
وفي النهاية، نجحت «دندنة مع مساعد» في أن تكون أكثر من مجرد ليلة غنائية، كانت لقاء مع الذاكرة والطرب والأغنية الجميلة، وأثبت مساعد البلوشي أن امتلاك الصوت المميز والموهبة الموسيقية، حين يجتمعان مع الصدق في الأداء، قادران على صناعة أمسية تبقى في الوجدان.