ياسرالعيلة
ضمن فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان «باك ستيج» المسرحي، شهد مسرح نادي السالمية مساء أمس الأول عرض مسرحية «الإذاعة»، من تأليف وإخراج علي حسين أكبر، الذي شارك في بطولتها إلى جانب هيا المطيري، وخالد الديحاني، وحمد عبدالرزاق، وشريفة المرزوق، ومحمد النبهان، وخالد الزيد، وفاطمة جرمن.
ومنذ انطلاق أحداثها، تضعنا «الإذاعة» أمام فكرة تحمل قدرا من الذكاء والرمزية، تتجاوز حدود الحكاية المباشرة لتلامس قضية اجتماعية وإعلامية بالغة الأهمية، وهي قدرة البعض على توجيه عقول الآخرين وصناعة قناعاتهم، مستغلين الجهل والحاجة وغياب الوعي. وقد نجح المؤلف في اختيار مدخل بسيط وسلس لتمرير هذه الرسالة، دون أن يفقد العمل طابعه الترفيهي القائم على المزج بين الكوميديا والتراجيديا.
تدور الأحداث في قرية نائية تحمل اسم «وشة»، يعيش غالبية سكانها في ظروف مادية صعبة، ويعاني معظمهم من الأمية وقلة المعرفة، إلى أن يظهر رجل يجسده علي حسين أكبر، يقرر إنشاء إذاعة داخل القرية، سرعان ما تتحول من وسيلة للتواصل ونقل المعلومات إلى أداة لبث الأفكار السلبية والتلاعب بعقول الأهالي، الذين يتلقون ما يسمعونه باعتباره حقائق لا تقبل الشك.
وبعد مرور أربع سنوات، تعود إحدى بنات القرية، وقد أصبحت متعلمة وحاصلة على شهادة الدكتوراه، لتبدأ رحلة كشف المستور، وتضع الأهالي أمام حقيقة ما تعرضوا له من تضليل، وصولا إلى انكشاف الوجه الحقيقي لصاحب الإذاعة، الذي تكشف الأحداث أنه أشبه بالشيطان المتخفي في هيئة إنسان.
واللافت في هذه الفكرة أنها لا تتوقف عند حدود زمن الحكاية أو مكانها، بل تفتح الباب أمام إسقاطات متعددة على واقعنا، الذي يذكرنا بأن خطورة التضليل لا تكمن فقط فيمن يمارسه، وإنما أيضا في غياب الوعي الذي يسمح له بالاستمرار.
لكن الفكرة الجيدة تحتاج إلى إيقاع يحميها من الترهل، وهنا تحديدا يمكن تسجيل ملاحظة فنية على زمن العرض، الذي بدا أطول مما تحتاج إليه الحكاية، خصوصا مع وجود بعض المشاهد التي امتدت دون إضافة درامية كافية، وكان من الممكن تكثيفها أو الاستغناء عن بعض تفاصيلها، بما يحافظ على حيوية الإيقاع ويمنح الأحداث مساحة أكبر من التركيز والتصاعد، فالمسرح لا يقاس بعدد الدقائق التي يقضيها الجمهور أمام الخشبة، وإنما بمدى قدرته على إبقاء انتباهه مشدودا حتى اللحظة الأخيرة.
وعلى مستوى العناصر البصرية، كان الديكور الذي صممه فيصل السبيعي من أبرز نقاط القوة في العرض.
أما الموسيقى والمؤثرات الصوتية التي وضعها عبدالله العلي فقد جاءت متناغمة مع طبيعة الأحداث، وأسهمت في تعزيز الحالات الدرامية والانتقال بين اللحظات الكوميدية والتراجيدية بسلاسة، فيما اتسمت الأزياء التي صممها محمد العنزي بالبساطة والجمال، وجاءت ملائمة لطبيعة الشخصيات والبيئة التي تدور فيها الحكاية.
أما على صعيد الأداء التمثيلي فقد حمل العرض مجموعة من الوجوه التي تستحق التوقف أمامها، فقد قدم خالد الديحاني أداء كوميديا لافتا.
كما لفتت فاطمة جرمن الانتباه، رغم أن مساحة دورها لم تكن كبيرة بالقدر الكافي.
ومن الوجوه التي تستحق الإشارة أيضا هيا المطيري، التي شكلت مفاجأة جميلة في هذا العمل، ولفتت الأنظار بحضورها وأدائها، لتكون من الاكتشافات الواعدة التي تستحق المتابعة ومنحها فرصا أكبر في تجارب مقبلة.
أما علي حسين أكبر فقد كان مايسترو العرض، سواء من خلال رؤيته التأليفية والإخراجية أو مشاركته التمثيلية، وقدم أداء متوازنا وحضورا قويا عكس إدراكه لطبيعة الشخصيات ومسارات الأحداث، ونجح في قيادة فريق العمل ضمن رؤية تحمل رسالة واضحة، حتى وإن كانت بعض التفاصيل تحتاج إلى مزيد من التكثيف والاختصار.
وبقية الفنانين، حمد عبدالرزاق، وشريفة المرزوق، ومحمد النبهان، وخالد الزيد، قدموا أداء تفاوتت مساحاته وتأثيراته بحسب طبيعة الأدوار.
الرسالة الأهم التي تتركها «الإذاعة» لدى جمهورها هي أن أخطر ما قد يتعرض له الإنسان ليس أن يسمع صوتا مضللا، بل أن يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم، فحين يغيب الوعي، يصبح أي صوت قادرا على قيادة الجموع، وحين يحضر، تسقط كل الأبواق مهما علا ضجيجها.