Note: English translation is not 100% accurate
لا يوجد أمام اللجنة الاستشارية لبحث التطورات الاقتصادية إلا خيار واحد هو تقديم الرأي الصادق
«الغرفة»: اختلالات المالية العامة تتطلب إصلاحاً سياسياً حقيقياً يطهّر الجرح ويعالج الأسباب
7 سبتمبر 2011
المصدر : الأنباء

المزايدات السياسية الآنية وضعت الاقتصاد الوطني في مأزق تفاقمت مخاطره وضاقت مخارجه
إعادة صياغة الدور الاقتصادي للدولة تتطلب إصلاحاً مواكباً ومكافئاً من الإدارة العامةقال بيان صحافي لغرفة تجارة وصناعة الكويت حول تشكيل اللجنة الاستشارية لبحث التطورات الاقتصادية والتي تشكلت بتوجيه من صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد: ان التصدي للاختلالات المالية العامة يتطلب اصلاحا سياسيا حقيقيا يطهر الجرح ويعالج الأسباب التي تبقيه فارغا نازفا، وقبل مثل هذا الإصلاح السياسي سيكون مآل أي محاولة للإصلاح المالي مآل اللبن المسكوب من قربة مقطوعة.
وأوضح البيان الصادر باسم رئيس الغرفة علي الغانم ان اعادة صياغة الدور الاقتصادي للدولة تتطلب ـ بالضرورة ـ اصلاحا مواكبا ومكافئا في الإدارة العليا العامة، ذلك لأن ما يعانيه الجهاز الحكومي من تضخم في الحجم وندرة في الكفاءة يجعل ضعف الإدارة العامة بمثابة عنق الزجاجة الذي يهدد بإجهاض جهود الاصلاح والتنمية.
وخلص بيان الغرفة الى ان اللجنة الاستشارية لبحث التطورات الاقتصادية ليس أمامها الا خيار وحيد هو تقديم الرأي الصادق الصريح، ولم يعد أمام السلطتين التشريعية والتنفيذية الا طريق واحد هو التعاون على التنفيذ الصحيح، لعل الكويت تتدارك مستقبلها، وفيما يلي نص بيان الغرفة:
«بتفاؤل مشوب بالحذر، استقبلت غرفة تجارة وصناعة الكويت تشكيل «اللجنة الاستشارية لبحث التطورات الاقتصادية». أما الحذر، فيجد تفسيره في تجارب اللجان المماثلة، التي تراكمت تقاريرها على رفوف النسيان، طوال عقود ثلاثة او يزيد. وأما التفاؤل، فيستمد مبررات من حقائق عديدة تجعلنا نتطلع الى ان يكون حظ مقترحات اللجنة الاستشارية افضل من سابقاتها، فالمبادرة انطلقت من حضرة صاحب السمو الأمير بالذات. والمبادرة جاءت في ظروف دولية واقليمية تحمل كثيرا من النذر بعيدة الأثر. والمبادرة تهدف الى معالجة اقتصاد وطني قادته المزايدات السياسية الآنية والأنانية الى مأزق تفاقمت مخاطره وضاقت مخارجه، ما جعل الاصلاح الاقتصادي فعلا مستقبلا ووجودا، لا خيار فيه، ولا بديل عنه، ولا قبل لنا بالتكلفة المالية والاجتماعية والسياسية لتأجيله.
في ظل هذا التفاؤل الحذر، تعرب غرفة تجارة وصناعة الكويت عن تقديرها الصادق لمبادرة حضرة صاحب السمو أمير البلاد حفظه الله ورعاه، التي تعكس حرص سموه على المشاركة الشعبية الواعية في صياغة الرؤية المستقبلية لاقتصاد البلاد.
كما تشيد الغرفة بالشخصيات المشاركة في هذه اللجنة، وترجو لها النجاح والتوفيق. والغرفة اذ تصدر بيانها هذا، لا تهدف الى تشخيص المأزق وعرض مشاهده وشواهده، أو طرح حلوله ومنافذه. فهذا ما سبق لها، ولجهات متخصصة وطنية ودولية عديدة، ان عالجته بعمق وتفصيل. كما ان الغرفة لا تقصد من بيانها هذا تأكيد مواقفها السابقة في شأن استنزاف المالية العامة بالانفاق العقيم، لأنها ستفعل ذلك من خلال جمع ونشر هذه المواقف قريبا.
غاية البيان
غاية هذا البيان هي التذكير على عدد من المنطلقات الأساسية، التي تأمل الغرفة من اللجنة الاستشارية ان تراعيها في رسم منهجها، وفي تحديد التوجهات الرئيسية لتقريرها. وهذا عرض سريع لأهم هذه المنطلقات:
٭ من الثابت، ان مستوى التقدم والازدهار يرتفع كلما انخفض مستوى تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، فليس هناك دول تتمتع بدرجة كافية من الحرية الاقتصادية دون ان تكون متقدمة، وليس هناك دول متقدمة لا تتمتع بدرجة كافية من الحرية الاقتصادية. وفي اعتقادنا، ان هذا الارتباط الوثيق بين درجة الحرية الاقتصادية ومستوى التقدم والازدهار، يجب ان يكون المنطلق الأساسي للاصلاح الاقتصادي في الكويت، ولاقرار السياسات والتشريعات والإجراءات اللازمة لتنفيذه. ولا ننسى هنا ان الخصخصة تمثل ركنا أساسيا في منظومة التشريعات والسياسات الرامية الى تعزيز الدور التنموي للقطاع الخاص. وبالتالي، فإن التشريعات المنظمة للخصخصة ستكون قاصرة عن تحقيق أهدافها، ما لم تحافظ على توازن دقيق بين المعايير الفنية المتعلقة بالجدوى والتكلفة والمردود، وبين الاعتبارات الاجتماعية الهادفة الى حماية حقوق العمالة الوطنية، وإلى احترام حق الدولة في التدخل لمصلحة التنمية والعدالة.
تضخم الجهاز الحكومي
٭ ان اعادة صياغة الدور الاقتصادي للدولة، يتطلب ـ بالضرورة ـ اصلاحا مواكبا ومكافئا في الإدارة العامة، ذلك لأن ما يعانيه الجهاز الحكومي من تضخم في الحجم وندرة في الكفاءة، يجعل ضعف الادارة العامة بمثابة عنق الزجاجة الذي يتهدد بإجهاض جهود الاصلاح والتنمية.
والاصلاح الاداري الذي نقصده هنا، يقوم على إحداث تغيير كامل في مفهوم الوظيفة العامة، ينتقل بها من أداة لتوزيع الثروة الى أداة للتنمية المستدامة، كما ينتقل بالموظف العام من مقعد «السلطة الرسمية» الى موقع «الخدمة المدنية».
٭ تحتل معالجة الاختلال الخطير في المالية العامة للدولة مركز الصدارة بين مهام اللجنة الاستشارية. ذلك ان التضخم السريع وغير المسبوق الذي سجله الانفاق العقيم على حساب الانفاق الاستثماري، اصبح أشبه بالجرح العميق النازف الذي يتهدد اقتصاد الكويت ومستقبل أجيالها. وما يجب التنبيه اليه هنا، هو ان هذا الجرح العميق النازف ليس ظاهرة مرضية بحد ذاته، بل هو نتيجة تضافر وتفاعل قروح عديدة في جسد الإدارة الكويتية. فهذا الجرح العميق النازف هو الحصاد المر لتسابق السلطتين التشريعية والتنفيذية نحو كسب ولاء البيروقراطية المسيطرة على صناديق الانتخاب. وهو الحصاد المر للتآكل المستمر في اختصاصات السلطة التنفيذية لحساب السلطة التشريعية، بعد ان تنازلت الأولى عن هذه الاختصاصات او تهاونت في ممارستها. وهذا الجرح نتاج طبيعي لتضارب السياسات وتناقض الإجراءات، وقصور التشريعات، بسبب تسويات اللحظة الأخيرة وصفقاتها، ويساهم في تعميق هذا الجرح واستمرار نزفه التهاون المريب في إجراءات المساءلة والعقاب في قضايا الفساد، والجرعة السياسية المفرطة في القرار الاقتصادي.
الاختلالات المالية
ومفاد هذا كله، ان التصدي لاختلالات المالية العامة يتطلب اصلاحا سياسيا حقيقيا، يطهر الجرح، ويعالج الأسباب التي تبقيه فارغا نازفا. وقبل مثل هذا الاصلاح السياسي، سيكون مآل أي محاولة للإصلاح المالي، مآل اللبن المسكوب في قربة مقطوعة.
٭ الاصلاح، تعريفا، هو التغيير نحو الأفضل. والتغيير لا يمكن ان يكون حقيقيا وفاعلا ونحو الأفضل، إذا فرضت علينا السياسة او الاصطفافات الاجتماعية المختلفة ان يبقى كل شيء على حاله، وان يستمر كل واحد في محله، فالاصلاح رؤية جديدة وقرار جريء وبالتالي، يجب ألا يحول الاعتداد بالرأي، او المجاملة في الموقف، دون اعادة النظر ـ بموضوعية وشجاعة ـ في الكثير من السياسات والتشريعات والمشاريع، وربما في كثير من المفاهيم والمواقع أيضا.
٭ لعل أول ما يستحق مراجعة علمية واقعية هو مفهوم الرفاه الاجتماعي وتطبيقاته، فقد أصبح لزاما علينا ان نطرح تساؤلات مؤلمة وبالغة الأهمية، عما اذا كان بإمكاننا الاستمرار في الالتزامات الناجمة عن التوسع الكبير في مفهوم هذا الرفاه؟ وعما اذا كانت أشكال كثيرة من الدعم الحكومي رشيدة فعلا وتؤدي الأهداف المرجوة منها؟ فبرنامج الرفاه الاجتماعي يجب ان يحدد بقدرة الدولة ومواردها، ويجب ان يلتزم بحدود الضرورة ولا يتجاوزها. والدعم الحكومي يجب ان يقتصر على مستحقيه، فلا يذهب الى المقتدرين، ويجب ان يكون مشجعا على الانتاج لا محفزا للاستنزاف.
٭ واضح من اسم اللجنة ومهمتها ندرك ان مسؤوليتها تقف عند حدود تقديم المشورة وبلورة المقترحات. اما عملية اصدار القرار والعمل على تنفيذه فهي مسؤولية السلطتين التشريعية والتنفيذية. وبالفعل، تم اختيار أعضاء اللجنة الاستشارية باعتبارهم من أهل العلم والخبرة والاختصاص. وبالتالي، فإن توصياتهم يجب ان تلتزم بهذه الصفات الثلاث، لتعبر عن آرائهم وقناعاتهم وتنسجم مع عقلانيتهم وحيادهم. أما التعامل مع المناورات السياسية التي تسبق عادة اصدار القرار، فهذا من شأن أهل الحكم والسياسة. فليس المطلوب من اللجنة الاستشارية مقترحات قابلة للتمرير من خلال الرضوخ لضغوط السياسة على حساب الجدوى والصواب، بل المطلوب مقترحات قادرة على معالجة الأوضاع الاقتصادية، وتجاوز الاختناقات والصعاب.
٭ أكدت الدراسات ان المجتمعات القائمة على الثقة هي المجتمعات الأقدر على التقدم، أما تلك التي تغلب على علاقاتها ثقافة الشك والتربص واحتمالات «المؤامرة»، فتبقى أسيرة الماضي والخوف من التغيير، ويبقى حراكها في دائرة الركود. وفي الكويت، سيبقى من المعتذر علينا ان نحقق الاصلاح الاقتصادي والاداري ما لم تتبدد من سمائنا غيوم الشك والريبة، وتسود أجواء التعاون والثقة، وأهمها الثقة بالمواطن، والثقة بمستقبل الوطن.
وانتهى بيان الغرفة الى انه وقبل ربع قرن ونيف، وفي الخامس من مايو 1985 على وجه التحديد، جاء في كلمة رئيس الغرفة أمام جمعيتها العامة: «... وما نخشاه فعلا، هو ان نسمع غدا بتشكيل لجنة جديدة لدراسة الوضع الاقتصادي، تنتهي الى تقرير آخر، يأخذ مكانه الى جانب سابقيه على رف النسيان».
نحن اليوم لا ينتابنا مثل هذا التخوف، لأننا ـ وبكل بساطة وصراحة ـ لن يكون لدينا بعد الآن فسحة من الوقت ولا رصيد من المصداقية يسمحان بتشكيل لجان جديدة. فليس أمام «اللجنة الاستشارية لبحث التطورات الاقتصادية» الا خيارا واحدا هو تقديم الرأي الصادق الصريح، ولم يعد أمام السلطتين التشريعية والتنفيذية الا طريقا واحدا هو التعاون على التنفيذ الصحيح، لعل الكويت تتدارك مستقبلها.