Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
الدولة الفلسطينية المرتقبة.. نظرة واقعية
19 سبتمبر 2011
المصدر : وادي الأردن ـ رويترز
في عالم آخر ربما تكون قرية الحديدية ابعد ما تصل اليه دولة فلسطينية مستقبلية ولكن سكان القرية من الرعاة يتحدثون عن المصاعب التي تقف دون هذا الحلم.
تقع القرية في الركن الشمالي الشرقي من الضفة الغربية وهي عبارة عن مجموعة من الاكواخ تأوي اسرا وماشية تحميهم من البيئة الصحراوية القاسية.
فحتى لو نال الزعماء الفلسطينيون اعتراف الامم المتحدة بدولتهم الشهر الجاري يقول سكان الحديدية ان ذلك لن يسهم في تحسين مستوى معيشتهم وتخفيف ضغوط سلطات الاحتلال الإسرائيلية.
والحديدية جزء من الضفة الغربية لكنها تقع داخل المنطقة الحدودية التي تعتبرها إسرائيل حيوية وقامت قوات الأمن الاسرائيلية بهدم اكواخ القرية التي أقيمت دون تراخيض اكثر من مرة منذ عام 1997.
ويبلغ عدد سكان القرية حاليا نحو 100 نسمة وهو ربع عدد السكان قبل 14 عاما.
وقال عبدالرحيم بشارات الممثل الرسمي لسكان القرية «البقاء في الارض هدفنا الأول والاخير».
وتابع «غادر ضعاف النفوس وكان اخرهم في عام 2008. من بقوا اتخذوا قرارا: لا لمزيد من اجراءات الطرد الجبري».
وتظهر في المكان آثار احدث اعمال هدم في يونيو ويقف براد وكومة من الاثاث تحت شمس الصحراء الحارقة.
ويقول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الذي يوثق مثل هذه الأحداث ان اعمال الهدم شردت 37 شخصا ولكنهم لم يبرحوا مكانهم رغم ذلك.
وأعمال الهدم احدى المشاكل التي يعاني منها الفلسطينيون الذين يخضعون للاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية.
فثمة قيود تمنع البناء وحرية الحركة كما ان توسع المستوطنات اليهودية قلص الأراضي ويستهدف المستوطنون بشكل متزايد الفلسطينيين وممتلكاتهم.
ويعد الوصول للماء الذي تسيطر عليه اسرائيل إلى حد كبير مشكلة رئيسية في الحديدية.
ولا يثق بشارات الذي تتحكم قوة اجنبية في مجريات حياته في ان الامور ستتحسن كثيرا حتى بمساندة أغلبية اعضاء الأمم المتحدة لدولة فلسطينية. وقال «لا يمكن قيام دولة دون حدود».
ويقول المسؤولون الفلسطينيون الذي يسعون لكسب اعتراف الأمم المتحدة انه سيعزز مطلبهم بإقامة دولة في الضفة الغربية على الحدود مع الاردن وقطاع غزة على ساحل البحر المتوسط والقدس الشرقية التي يريدها الفلسطينيون عاصمة لدولتهم.
ويقولون ان التحرك ناجم عن فشل عملية السلام التي تدعمها الولايات المتحدة في انهاء الاحتلال الاسرائيلي لأراضيهم منذ حرب عام 1967.
وتعترف 120 دولة على الأقل بفلسطين بما في ذلك روسيا وقوى ناشئة مثل البرازيل.
ولكن إسرائيل وحليفتها الوثيقة الولايات المتحدة تعارضان هذه الخطوة وتقولان ان المفاوضات المباشرة دون غيرها هي التي يمكن ان تقود لقيام دولة فلسطينية.
ويعني ذلك انه حتى ان نال الفلسطينيون دعم اغلبية الدول في الأمم المتحدة فإن واشنطن ستوقف مسعاها لعضوية كاملة في الأمم المتحدة في مجلس الأمن.
وفي جميع الأحوال يعترف مسؤولون فلسطينيون بان الاقتراع لن يكون له تأثير يذكر على ارض الواقع.
وأزالت إسرائيل بعض نقاط التفتيش التي اقامتها في الضفة الغربية خلال الانتفاضة التي اندلعت في عام 2000 والتي خبت في معظمها بحلول عام 2005 الا أن سيطرتها الكلية على الاراضي تبدو اقوى من اي وقت مضى.
وشيدت إسرائيل جدرانا وأسوارا وحواجز برية ونقاط تفتيش ومناطق إطلاق نار عسكرية وقواعد عسكرية وتقول ان جميعها ضرورية لأمن دولتها.
وفي الوقت نفسه انتقل نحو 300 ألف من مواطنيها لمستوطنات فيما يعتبرونه يهودا والسامرة في الضفة الغربية.
ويعيش الآن نحو 200 ألف اخرين في القدس الشرقية وحولها على اراض ضمتها إسرائيل رسميا.
ورغم تشكيل السلطة الفلسطينية مؤسسات في العامين الأخيرين استعدادا لإقامة دولة فإنها لا تسيطر سوى على قطع من الاراضي في الضفة الغربية تحيط باكبر المدن والقرى الفلسطينية وهو نظام لتقسيم المناطق قبله الفلسطينيون في التسعينات اعتقادا بانه خطوة نحو الاستقلال.
وترك هذا النظام لإسرائيل السيطرة على 60% من اراضي الضفة الغربية وتتحكم في معيشة 150 الفا من مواطنيها الفلسطينيين البالغ عددهم 2.5 مليون نسمة وتسيطر على اراض تعتبر حيوية لاقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وحد من نفوذ السلطة الانقسام الداخلي، ولا تحكم السلطة الفلسطينية غزة منذ سيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عليها في عام 2007 لتحرمها من فرصة تنمية القطاع بعد جلاء إسرائيل عنه في عام 2005.
ويمكن رؤية العراقيل امام بسط نفوذ السلطة الفلسطينية في قرية النبي صموئيل الفلسطينية شمال غربي القدس التي عزلت عن المناطق العربية بسبب الجدار العازل الذي شيدته إسرائيل في الضفة الغربية.
ويقول المحامي محمد بركات نيابة عن سكان القرية البالغ تعدادهم 250 نسمة «نحن نعيش في جزيرة الآن».
والجدار من العواقب المستديمة للانتفاضة الثانية والتي غالبا ما يشير الفلسطينيون لسلبياتها كمبرر لتفادي مزيد من المواجهة العنيفة مع خصم اقوى بكثير.
وتقول إسرائيل ان الجدار يهدف لوقف الهجمات الانتحارية وغيرها من هجمات النشطاء وتضيف انه نجح في مهمته، لكن الفلسطينيين يرون ان الهدف منه استقطاع اراض.
والقطاع الذي فصل قرية النبي صموئيل عن بقية الضفة الغربية مثال على ذلك إذ انه يلتف حول مستوطنات يهودية قريبة وصفتها محكمة العدل الدولية بأنها غير قانونية.
فبعد ان كان الوصول للبلدات الفلسطينية يستغرق خمس دقائق بالسيارة من قرية النبي صموئيل تصل مدة الرحلة الآن إلى أكثر من ساعة.
وينبغي ان يحصل الزائر على الجهة الاخرى من الجدار على تصريح من إسرائيل لعبور نقطة التفتيش.
ولا يوجد حاجز بين قرية النبي صموئيل والقدس ولكن القرويين الذين يلقى القبض عليهم اثناء العمل هناك بشكل غير مشروع معرضون للسجن وغرامة ضخمة، والقي القبض على عشرة في السنوات الاخيرة ولايزال اثنان في السجن.
ويقول بركات إن نسبة البطالة تصل إلى 90% ويوجد بالقرية متجر بقالة صغير وحيد ومدرسة من فصل واحد مساحته 4 امتار في 4 امتار يدرس بها 11 تلميذا وكان حتميا ان يبدأ الشبان في الرحيل.
وهجر نحو 50 شخصا أو خمس السكان القرية إلى الجهة الاخرى من الجدار العازل في الضفة الغربية خلال العامين الماضيين.
وقال بركات «الأسهل ان انتقل إلى رام الله ولكن لا افكر في الرحيل عن قريتي».
ومن قرية النبي صموئيل يمكن ان ترى افق رام الله وهي حاليا المركز الاداري للدولة المرتقبة. وثمة تناقض صارخ بين مجمع الوزارات الجديد وقصر الرئاسة بها والطرق غير الممهدة في القرية.
ويقول منتقدون ان السلطة الفلسطينية تركز اهتمامها على المدينة بشكل كبير وحولتها لعاصمة فعلية تحل محل القدس الشرقية الموجودة خلف الجدار العازل في الضفة الغربية وهي جزء من المدينة التي تصفها اسرائيل بأنها عاصمتها التي لا يمكن تقسيمها.
وتزين النافورات والتماثيل الميادين في رام الله وهي ضمن شبكة الطرق الفلسطينية التي طورت في الضفة الغربية بدعم مالي من مانحين دوليين بما في ذلك الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة.
وتجوب شوارع المدينة وحدات الشرطة المزودة بسيارات دورية جديدة من طراز فولكس واجن ودراجات نارية ايطالية.
وغالبا ما يشيد مسؤولون زائرون بأعمال بناء الدولة التي يقودها رئيس الوزراء سلام فياض.
وتشير السلطة لنقطتي اختلاف رئيسيتين بين المؤسسات التي شيدتها ومشروع مماثل قاده الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في التسعينيات.
ويوجد حاليا نظام للإدارة المالية يتسم بالشفافية يقلص اعتمادها على دعم المانحين كما أن قوات الامن التي دربت بمساعدة غربية تسهم في منع أعمال عنف ضد إسرائيل.
وقال غسان الخطيب المتحدث باسم السلطة الفلسطينية انها مستعدة لقيام دولة والاستقلال وفق معايير المجتمع الدولي.
وذكر تقرير اصدره البنك الدولي الشهر الجاري انه يمكن مقارنة المؤسسات العامة للسلطة ايجابا بدول اخرى في المنطقة وخارجها وهو سبب اخر يدفع مسؤولين فلسطينيين للقول انهم مستعدون لقيادة دولة حقيقية.
ولكن حتى ان لجأ المسؤولون الفلسطينيون للأمم المتحدة فإن السلطة تواجه ازمة مالية خانقة تبرز هشاشتها.
والسبب المباشر هو تراجع المعونات الاجنبية التي تحتاجها السلطة لسد العجز المتوقع ان يصل إلى 900 مليون دولار العام الحالي.
والسبب الأعمق هو ضعف الاقتصاد الفلسطيني. ويقول البنك الدولي إن القيود الاسرائيلية التي تعوق القطاع الخاص ينبغي رفعها لإتاحة الفرصة لزيادة قاعدة إيرادات السلطة الفلسطينية والاستمرار في بناء المؤسسات.
وفي الأشهر الثلاثة الاخيرة عجزت السلطة مرتين عن صرف اجور موظفيها وعددهم 150 الفا في الوقت المحدد وبالكامل مما اضر بمكانتها.
وسيضر الفشل في نيل الاستقلال خلال السنوات القليلة المقبلة بمصداقيتها. ويقول منتقدو السلطة ان استراتيجيتها القائمة على التفاوض مع إسرائيل فشلت، وثمة مشكلة اخرى تتمثل في فشل السلطة وحماس في إخضاع الضفة الغربية وغزة لقيادة واحدة كما لم تجر انتخابات منذ عام 2006.
ويقول جورج جياكامان استاذ العلوم السياسية بجامعة بيرزيت قرب رام الله «شرعية السلطة الفلسطينية على المحك لان الفلسطينيين لم يتصوروا ان تعمل كوحدة محلية كبيرة بشكل دائم».
وقال «من الواضح ان هذا غير كاف. ستنهار دون عملية سياسية تحظى بمصداقية».
وفي غزة تواجه حركة حماس معضلة فيما تحاول التوفيق بين التزامها المعلن بالكفاح المسلح ضد إسرائيل ومسؤولياتها كحكومة حريصة على تفادي عمليات انتقامية اسرائيلية مؤلمة.
وفي الجيب الساحلي الذي توقع عرفات ذات مرة ان يصبح سنغافورة الشرق الأوسط يقبع المطار الدولي الذي يحمل اسمه كأثر بعد عين لمشروعه لبناء دولة في التسعينيات.
وتحول المطار إلى انقاض وهو رمز متداع لفترة سابقة حين راودت الفلسطينيين الآمال باحتمال بزوغ دولة مستقلة.
وربما يقول البعض إن اوان حل الدولتين قد فات.. ربما، لكن الربيع العربي ربما يعطي زخما جديدا. فإذا بدأت حكومات عربية تعكس تعاطفا شعبيا مع القضية الفلسطينية فقد تواجه إسرائيل ضغطا أكثر من ذي قبل.
وقال جياكامان «أكثر من أي وقت مضى أري امكانات للمستقبل».
وعلى المدى القصير يتفق معه عبد الرحيم بشارات في الحديدية وبركات في قرية النبي صموئيل على أهمية الصمود.
وقال «ينبغي ان يتوقع المرء التوجه التالي: كيفية البقاء.. كيفية الاستمرار نستمر لان الفلسطينيين يدركون انه ميزة استراتيجية مهمة».