Note: English translation is not 100% accurate
لأن الوزير وحده لا يملك حق إقرار الكادر وتنفيذ مطالب المضربين
الإضرابات الحالية سياسية بالدرجة الأولى وليست وظيفية
25 ديسمبر 2011
المصدر : الأنباء



مطالب المضربين يجب أن تعرض على مجلس الوزراء لدراستها وبعد الموافقة تتم إحالتها إلى مجلس الأمة لإصدار قانون بربط المخصصات اللازمة
يجب ألا يخل أي إضراب وظيفي بالالتزامات الواقعة على عاتق الموظف مادام لم يتوقف راتبه
المصلحة العامة يجب أن تقدم على المصالح الفردية الخاصة عند تعارضهما
لابد من سد الفراغ التشريعي لعدم وجود قانون ينظم الإضراب ويبين شروطه
الإضراب ليس محرماً أو مجرّماً ولكن القضاء وحده يبين مدى مشروعية أي إضرابمنذ فترة ليست بقصيرة ونحن نسمع ونقرأ أن أعدادا كبيرة من موظفي الدولة بصدد شن إضراب عن العمل في جميع الإدارات والهيئات والمؤسسات الحكومية التي يعملون بها للضغط على الحكومة إما بإقرار كادر خاص بهم يتضمن مزايا وحقوقا جديدة ورواتب أعلى وإما بزيادة رواتبهم مباشرة.
ومنذ ذلك اليوم والإضرابات مازالت مستمرة والموظفون المضربون يمتنعون عن أداء واجباتهم ووظائفهم بصور أدت إلى تعطيل مصالح الناس والإضرار بحقوق المواطنين.
ومنذ بدء الإضرابات وحتى هذا اليوم لم نجد أي حل فلا الحكومة «رب العمل» استجابت لمطالب الموظفين المضربين ولا الموظفين تراجعوا عن إضرابهم أو حتى خفضوا منه بل انهم استمروا فيه وأصبحوا يهددون بإضراب أوسع وأشمل وسيكون المواطنون هم ضحيته ومصالحهم هي المتضرر بالدرجة الأولى.
وإزاء هذه الفوضى وجدت لزاما على نفسي أن أبحث في موضوع مدى قانونية هذه الإضرابات بهدف تحديد مدى أحقية موظفي الدولة في الإضراب عن العمل والامتناع عن أداء واجباتهم الوظيفية أمام المواطنين من عدمه.
وقد أظهرت الدراسة وتفحص المراجع القانونية التي تناولت موضوع الإضراب وشرعيته وشروطه ما يلي:
٭ ان ما يحدث حاليا فوضى لا سند لها قانونا.
٭ الضعف الحكومي وعدم القدرة على التعامل مع هذه الإضرابات وراء استمرارها وتشعبها وتوسيعها.
الدراسة
لم ينص الدستور الكويتي على حق الإضراب كما لم ينظم القانون هذا الموضوع ولكن أيضا لم يجرم القانون الإضراب ولم يمنعه والتزام الدولة بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها يلزمها بعدم الاعتراض على حق الإضراب (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، كما بينت الدراسة أن المتضرر الأول والوحيد في هذه الإضرابات هو المواطن ومصالحه وليس رب العمل (الحكومة/ الوزارة)، وقبل أن نشرع في بيان ما توصلنا إليه يجب أن نبين أولا معنى الإضراب وماهيته وشروطه ومدى شرعيته.
فالإضراب هو رفض جماعي عن العمل أو التوقف كليا أو جزئيا عن العمل للضغط على رب العمل لتحقيق مطالب العمال، والإضراب يجب أن يكون من أجل تحقيق مصالح مهنية مرتبطة بشروط العمل وظروفه والتي يستطيع رب العمل تلبيتها بمعنى أن يكون بيد رب العمل تحقيقها وتنفيذها بنفسه وليس بيد غيره أو أنه يملك وحده القرار بتنفيذها وتحقيقها، ولو أخذنا هنا ـ على سبيل المثال ـ القانونيين الذين يحملون شهادة الحقوق «من العاملين في جميع الوزارات والهيئات والإدارات الحكومية» الذين شرعوا في المطالبة بإقرار كادر خاص بهم، وقد قرروا الإضراب عن العمل إلى حين إقرار هذا الكادر.
فالملاحظ في هذا الشأن أن القانونيين المضربين يعملون في عدة جهات وزارية وإدارات وهيئات حكومية، ولا يعملون جميعا في وزارة واحدة أو إدارة واحدة أو هيئة واحدة، فهم موزعون على عدة جهات وزارية وحكومية، ذلك أن هناك قانونيين يعملون لدى وزارة العدل وآخرين في وزارة الشؤون وغيرهم في وزارة التجارة وآخرين موزعين على باقي الوزارات والجهات الحكومية، وإضراب كل مجموعة منهم ينحصر في أعمالهم لدى جهاتهم الوزارية وهيئاتهم الحكومية، وهنا لا يملك وزير كل وزارة منفردة من هذه الوزارات ولوحده أن يتخذ قرار بقبول مطالبات موظفيه القانونيين المضربين.
فمثلا وزير العدل لا يملك اتخاذ قرار قبول مطالبات موظفي وزارة العدل القانونيين المضربين باعتبار أن مسألة إقرار كادر خاص بالقانونيين من اختصاص مجلس الوزراء بأكمله وليس بيد وزير العدل منفردا فمثل هذه المسألة (إقرار الكادر الخاص بالقانونيين) يجب أن يعرض على مجلس الوزراء لدراسته ومناقشته ثم التصويت عليه لإقراره ثم عرضه على مجلس الأمة لإصداره بقانون خاص بعد التصويت عليه.
ولهذا فإن إضراب قانونيي وزارة العدل وكل وزارة على حدة لا يتسم بالشرعية لأن وزير كل وزارة، على حدة لا يملك وحده الموافقة على إقرار الكادر وليس بيده أن يحقق هذا المطلب وباعتبار أن الوزير «رب العمل» لا يملك حمل أو إجبار الحكومة بأكملها على الموافقة على إقرار الكادر.
ويلاحظ في هذا الشأن أن المشرع الفرنسي يحظر اللجوء إلى الإضرابات الدائرة في مجال المرافق العامة والتي يسمونها «بالإضرابات الانسدادية» لأن الوزير مجرد عضو في الحكومة التي تملك قرار تنفيذ المطالب ولا يمكنه إجبارهم وحده على قبول مطالب العمال أو الموظفين المضربين ولهذا سموها بالإضرابات الانسدادية لأن مثل هذه الإضرابات لن تصل إلا إلى طريق مسدود بإقرار الكادر الخاص ليس بيد الوزير وحده بل انه أيضا ليس بيد مجلس الوزراء وحدهم أيضا، وإنما بيد مجلس الأمة بسلطتيه التشريعية والتنفيذية معا، فمجلس الأمة وحده هو الذي يملك قرار إقرار الكادر الخاص بالقانونيين من عدمه وليس أحد غيرهم.
ولهذا، فإن إضراب القانونيين هو أقرب إلى أن يكون إضرابا سياسيا أكثر من أن يكون إضرابا وظيفيا أو مهنيا، والإضراب السياسي كما هو متفق عليه فقها وقانونا «عمل غير مشروع» باعتبار أن مثل هذا الإضراب موجه ضد السلطات العامة وليس إلى رب العمل وحده.
شروط مشروعية الإضراب:
اتفق الفقهاء وأجمعت القوانين المنظمة لحق الإضراب في دول كثيرة على أن للإضراب شروطا يجب مراعاتها وإلا أعتبر باطلا غير مشروع وهذه الشروط هي:
1- ان يتم تنظيم وإعلان الإضراب بواسطة النقابة العمالية.
2- يجب إخطار رب العمل والجهة الإدارية قبل بدء الإضراب بمدة محددة على أن يتضمن الإخطار سبب الإضراب ومدته.
3- يجب أن يستنفذ العمال جميع الطرق السلمية لحل المنازعة.
4- عدم جواز الإضراب في المرافق الحيوية والمنشآت الاستراتيجية.
فبالنسبة للشرط الأول: وهو أن يتم تنظيم وإعلان الإضراب بواسطة النقابة العمالية.
وما نسمعه ونقرأه في الجرائد والصحف اليومية أن نقابة القانونيين مثلا قد أعلنت عن الإضراب وتنظيمه وهي نقابة حسب علمنا مرخصة قانونا ولها كيانها المعنوي الذي يجيز لها أن تخاطب السلطات باسم أعضائها ومنتسبيها وأن تنظم الإضراب، إذ لا يجوز لأي جهة أن تتكلم نيابة عن مجموعة من الناس إلا إذا كانت مرخصة بذلك قانونا، فللعمال نقابة مرخصة تتكلم عن العمال وتدافع عن حقوقهم وتخاطب السلطات باسمهم، وللمحامين والمهندسين والمحاسبين وغيرهم جمعيات نفع عام مرخصة قانونا لتدافع عنهم وعن حقوقهم وتخاطب السلطات العامة باسمهم في كل ما يتعلق بشؤونهم وأمورهم ولا نعلم حقيقة ما إذا كانت هناك نقابة مرخصة قانونا باسم نقابة القانونين لتخاطب وتحادث السلطات العامة باسم ونيابة عن القانونين في الكويت، وهذا ما استوجبته المادة 45 من الدستور حين نصت على أنه:
«لكل فرد أن يخاطب السلطات العامة كتابة وبتوقيعه، ولا تكون مخاطبة السلطات باسم الجماعات إلا للهيئات النظامية والأشخاص المعنوية».
فهذه المادة لا تجيز أن تقوم جهة بمخاطبة السلطات العامة باسم جماعة معينة إلا إذا كانت هذه الجهة مرخصة قانونا، وطالما كانت نقابة القانونيين مرخصة قانونا فإن من حقها تنظيم الإضراب والإعلان عنها.
أما بالنسبة «للشرط الثاني»: وهو وجوب إخطار رب العمل أو الجهة الإدارية قبل بدء الإضراب بمدة محددة على أن يتضمن سبب الإضراب ومدته، وقد فرض هذا الشرط باعتبار أن التوقف الجماعي عن العمل خلال فترة الإضراب من شأنه أن يحلق ضررا كبيرا وجسيما بصاحب العمل أو جهة العمل، ويتمثل هذا الضرر في الخسائر التي تتكبدها جهة العمل بسبب وقف العمل أو نقص الإنتاج، ولهذا لابد من إخطار رب العمل بالإضراب قبل فترة وجيزة حتى يتمكن إما من توفير عمال وموظفين آخرين أو بمضاعفة وزيادة الإنتاج قبل بدء الإضراب.
أما بالنسبة «للشرط الثالث»: وهو أن يستنفذ العمال جميع الطرق القانونية السلمية لحل المنازعة قبل بدء الإضراب، فحتى الآن لم ينم إلى علمنا بأن نقابة القانونيين قد سلكت أي طريق قانوني للمطالبة بإقرار الكادر قبل الإعلان عن بدء الإضراب.
أما بالنسبة «للشرط الرابع»: ولعله أهم القيود والشروط التي يجب أن تتوافر عند الإضراب والتي تناولتها القوانين في فرنسا وغيرها من الدول وهو ألا يتم الإضراب في أماكن استراتيجية أو منشآت حيوية.
فالعديد من التشريعات تقرر حظرا وتقييدا لحق الإضراب في أماكن المنشآت الإستراتيجية والحيوية، وذلك بقصد الحفاظ على حياة ومصالح المواطنين وضمان الحفاظ على النظام العام واستمرارية الخدمات التي تقدمها تلك المنشآت.
فالمادة 194 من قانون العمل المصري تنص على أنه:
«يحظر الإضراب أو الدعوة إليه في المنشآت الاستراتيجية أو الحيوية التي يترتب على توقف العمل فيها الإخلال بالأمن القومي أو بالخدمات الأساسية التي تقدمها للمواطنين. ويصدر قرار من رئيس مجلس الوزراء بتحديد هذه المنشآت».
وقد أصدر رئيس مجلس الوزراء المصري القرار رقم 1185/2003 بشأن تحديد تلك المنشآت وهي:
٭ منشآت الأمني القومي والإنتاج الحربي.
٭ المستشفيات والمراكز الطبية والصيدليات.
٭ المخابز.
٭ وسائل النقل الجماعية والبرية والبحرية والجوية.
٭ وسائل نقل البضائع.
٭ منشآت الدفاع المدني.
٭ منشآت مياه الشرب والكهرباء.
٭ الغاز والصرف الصحي.
٭ منشآت الاتصالات.
٭ منشآت المواني والمنافذ والمطارات.
٭ العاملون في المؤسسات التعليمية. وهذه المنشآت ذكرت على سبيل المثال وليس الحصر.
كما يحظر قانون العمل القطري الإضراب في المنشآت الآتية:
٭ البترول والغاز والصناعات المرتبطة بهما.
٭ الكهرباء والماء.
٭ الموانئ والمطارات.
٭ المواصلات.
٭ المستشفيات.
أما في فرنسا فيقتصر حق منع الإضراب على المرافق العامة فقط في السابق، ثم بدأوا الأخذ بنهج أو بفكرة الحد الأدنى للخدمة، وفقا لما تراه إدارة المرافق تحت رقابة القضاء.
بمعنى أنه يمكن تقييد حق الإضراب في المرافق العامة الحيوية والإستراتيجية سواء بنص تشريعي أو بقرار من إدارة المرافق ومن ذلك القانون الصادر في ديسمبر 1947 الخاص بحظر الإضراب على موظفي الجمهورية للأمنيين والعاملين بالشرطة.
وكذلك القانون الصادر في 22/2/1958 بحظر الإضراب في مرفق القضاء والقانون الصادر في 13/7/1972 بحظر إضراب العسكريين ويرجع السبب في حظر الإضراب في هذه الأماكن إلى أن توقف العمل في هذه المرافق سيترتب عليه الانهيار الكامل للدولة ولابد من الحفاظ على كيان الدولة واستمرارها وبقائها وهو أجدر وأحق بالتفضيل على المصلحة الخاصة للعمال، فالقاعدة الفقهية في القانون تقول: ان المصلحة العامة تقدم على المصالح الفردية أو الخاصة عند تعارضهما.
ضوابط تقييد حق الإضراب في المنشآت الاستراتيجية والحيوية
أن تكون الخدمة التي يقدمها المرفق ضرورية لإشباع حاجات المواطنين:
ويعد المرفق استراتيجيا أو حيويا إذا كانت الخدمة التي يقدمها للمواطنين ضرورية لإشباع حاجاتهم الأساسية، فالتوقف الكامل للعمل بتلك المرافق من شأنه أن يهدد النظام العام ويخل باستقرار المجتمع، كأن يقدم المرفق سلعة أو خدمة ضرورية لا يقدمها سواه فلابد هنا من ضمان حد أدنى من التشغيل بحيث لا يتم حرمان جميع العمال كليا من الإضراب وفي ذات الوقت يتم تدبير الحد الأدنى من احتياجات المتعاملين مع المرفق من المواطنين، فهذا النهج يحقق التوازن بين حق الإضراب ومبدأ انتظام سير المرافق العامة وتتولى إدارة المرفق سلطة تحقيق هذا التوازن.
وقد قضى مجلس الدولة الفرنسي في حكم له قد جاء فيه:
«ان الاعتراف بحق الإضراب لا يعني عدم وجود ضوابط تضمن عدم التعسف في استعماله وتكفل الحفاظ على متطلبات النظام العام في الدولة».
وقد أكد هذا الحكم على أن اعتبارات النظام العام والحفاظ على أمن المواطنين وسلامتهم وحماية ممتلكاتهم يعد أساسا مقبولا لتقييد حق الإضراب في المرافق المرتبطة بها ويخضع قرار السلطة في تقدير هذا التوازن لتقدير القضاء.
وظائف استراتيجية
وفي الكويت وإزاء عدم وجود قانون ينظم الإضراب ويبين شروطه ومكانه فإنه يجب الاهتداء بقوانين الدول التي سبقتنا في تشريعه وإقراره، وعلينا أن نحتذي بما أخذت به تلك الدول ونهتدي بأحكام قضائها في شأن شروط الإضراب وتقييده بما يحقق التوازن العادل ما بين العمال بالإضراب وما بين حق الدولة والناس بعدم الاعتداء على حقوقهم أو التقصير بتوفيرها وأدائها.
والملاحظ هنا أن الإضرابات القائمة في البلاد هي إضرابات يقوم بها موظفو الدولة وليسوا عمالا أو موظفون في قطاع خاص فهم موظفون يحملون شهادة حقوق يعملون لدى جهات وزارية متعددة وإدارات وهيئات حكومية مختلفة فمنهم من يعمل لدى وزارة العدل كسكرتير جلسات أو مندوب تنفيذ أو موثق، ومنهم من يعمل في الشؤون القانونية في الوزارات والهيئات الحكومية وإداراتها.
وغالبا ما تكون أعمالهم ووظائفهم استراتيجية وحيوية لا يمكن لأي موظف آخر سواء داخل هذه الوزارة أو غيرها من الوزارات أن يقدمها ويوفرها للمواطنين، فمثلا الموثقون في إدارة التوثيقات الشرعية أو التوكيلات في وزارة العدل يقدمون خدمات عقد عقود الزواج والطلاق والخلع وإصدار التوكيلات.
وهذه الخدمات لا تقدمها وزارة أخرى سوى وزارة العدل، ولهذا فإن خدماتهم ووظائفهم تعتبر استراتيجية وحيوية فإن توقفوا عن العمل أو أضربوا فلن يستطيع أي مواطن أو مراجع من عقد زواجه أو توثيقه خلافه أو خلفه أو إصدار توكيل. كما أن القانونيين العاملين في مكاتب العمل لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل هم المختصون وحدهم بتلقي الشكاوى العمالية وبلاغات التغيب ضد العمال وهم المختصون بالتحقيق فيها، فإن توقفوا عن أداء أعمالهم فلن يكون بإمكان غيرهم من الموظفين أداءها باعتبار أنهم المختصون وحدهم دون غيرهم بتلقي تلك الشكاوى والبلاغات، وعليه فإن القانونيين العاملين في الجهات والإدارات الحكومية يقدمون خدمة ووظيفة حيوية لا يقدمها سواهم، وإن وظائفهم تعتبر استراتيجية لأن بدونهم تتوقف المعاملات وتتوقف مصالح الناس والعباد.
كما أن موظفو الجمارك يقدمون خدمة استراتيجية وحيوية للبلد بالحفاظ على أمن وسلامة الوطن بمنع دخول الممنوعات والمحظورات حفاظا على أمن المواطنين ولا يجوز لهم بالتالي التوقف عن أداء أعمالهم وواجباتهم نحو حماية الوطن والمواطنين بأي حجة كانت باعتبار أن في ذلك مساسا واعتداء على حقوق المواطنين في حمايتهم والمحافظة على أمن البلاد.
فما هو ذنب المواطن الذي يرغب بإصدار توكيل لمحام ليقوم بالطعن على حكم سواء أمام محكمة الاستئناف أو التمييز ولم يتبق إلا أيام قليلة على انتهاء موعد الطعن ولا يجد هذا المواطن موثقا ليصدر مثل هذا التوكيل بحجة أن القانونيين مضربين عن العمل، وبالطبع لا يستطيع هذا المواطن اللجوء إلى وزارة أو هيئة أخرى لإصدار هذا التوكيل باعتبار أن موظفي وزارة العدل هم المختصون وحدهم بإصداره وما ذنب مواطن يرغب في عقد زواجه ولا يجد له موثقا شرعيا ليعقد قرانه أو يستخرج صورة من وثيقة زواجه المودعة في إدارة التوثيقات فهو لن يجد هذه الخدمة في جهة أخرى وما ذنب كل المواطنين من حرمانهم بأبسط حقوقهم في إنجاز معاملاتهم وتخليص شؤونهم وأمورهم الإدارية والحكومية.
هل يعقل أن يمتنع موظف يؤدي وظيفة عامة حيوية وخدمة استراتيجية ويحصل على راتب من الدولة عن تقديم خدمات لمواطن بحجة أنه مضرب عن العمل حتى إقرار زيادة لراتبه أو كادر خاص بوظيفته أن الامتناع عن العمل في هذه الحالة يشكل مخالفة دستورية.
ذلك أن المادة 25 من الدستور الكويتي تنص على أنه:
«الوظائف العامة خدمة وطنية تناط بالقائمين بها ويستهدف موظفو الدولة في أداء وظائفهم المصلحة العامة».
فالمصلحة العامة المقصودة في هذه المادة هي إنجاز معاملات الناس وتخليص أمورهم وشؤونهم والتي يختص الموظف بانجازها وأدائها والتي يحصل على راتب من الدولة نظير تقديمه لتلك الخدمات.
فالدولة قد تعاقدت معه ووظفته وعينته في هذه الوظيفة ليقدم خدمة للمواطنين والمراجعين، والدولة تدفع له الراتب مقابل أدائه لهذه الوظيفة وتقديمه تلك الخدمات وقد اعتبر المشرع الدستوري أداء الوظيفة العامة بكل إخلاص ووفاء وتفان بأنه عمل وطني يبين مدى ولاء الموظف للدولة.
وعليه فإن إضراب الموظفين العموميين وامتناعهم عن العمل وتقديم الخدمات إلى المواطنين يعتبر عملا مخالفا للدستور ويتسم بعدم الشرعية، والأولى والأجدى على الموظف العام الذي يطالب بتحسين حقوقه وأوضاعه الوظيفية ألا يحرم المواطنين من أبسط حقوقهم باعتبار أنه موظف عام مكلف بتقديم خدمة للناس والمواطنين، وأن كلا منهم مختص بتقديم خدمة أو خدمات لا يقدمها سواهم أو غيرهم في أي جهة أخرى، ولهذا فإن الخدمات التي تقدمها كل وزارة تعتبر خدمات حيوية واستراتيجية باعتبار أن كل وزارة متخصصة بتقديم عمل وخدمة معينة لا تقدمها أي وزارة أو جهة أخرى، أكثر من هذا فإن الإضراب لا يشكل في هذه الحالة وسيلة ضغط على رب العمل الوزارة أو الجهة الحكومية باعتبار أنها غير متضررة من توقف الموظفين عن أداء العمل، فإضراب الموظفين لا يؤدي إلى خسارة الوزارة أو الجهة الحكومية أو فقدان ربح أو فائدة أو يفوت عليها كسبا، باعتبار أن الموظفين يقدمون خدمات للمواطنين والمراجعين وليس للوزارة أو الجهة الحكومية.
وبالتالي فإن أشد المتضررين من هذه الإضرابات هم المواطنون والمراجعون الذين لا يجدون سوى موظفين ممتنعين من تخليص معاملاتهم وإنجاز متطلباتهم.
ولهذا، فإن الإضراب هنا لا يشكل ضغطا على الوزارة والجهة الحكومية وبالتالي يفقد إضراب القانونين لأحد أهم شروطه القانونية بما يجعله غير مشروع. وكما ذكرنا سابقا فإنه وإزاء النقص التشريعي الذي ينظم حق الإضراب وإزاء الفوضى العارمة التي نتجت عن هذه الإضرابات واكتفاء الحكومة بالمشاهدة والنظر دون أي حراك إيجابي سواء بالاستجابة إلى مطالب الموظفين المضربين أو بإنهاء هذه الإضرابات فإنه يجب اللجوء إلى القضاء للاحتكام إليه لنترك له أن يقرر مدى مشروعية هذه الإضرابات باعتبار أن القضاء يسد الفراغ الذي يتركه المشرع في ضوء المبادئ والقواعد المنظمة للإضراب والمعترف بها دوليا وعالميا.
وهذا ما وصلت إليه في بحثي المتواضع عن الإضراب والذي أرجو من جميع أطراف هذه الإضرابات وضعه في اعتبارهم لأن مصلحة الدولة والمواطنين والمصلحة العامة مقدمة دائما على المنفعة الفردية.
بقلم: المحامي إبراهيم الكندري