Note: English translation is not 100% accurate
وكيل الصحة المساعد لشؤون التخطيط والجودة بوزارة الصحة أضاف بُعداً خامساً هو «الصحة الفكرية» لأبعاد الصحة الأربعة
د.وليد الفلاح لـ «الأنباء»: التلوث الفكري خطر يهدد البشرية وصحة الأشخاص والسبب الثورة المعلوماتية
3 مايو 2012
المصدر : الأنباء

الثورة المعلوماتية ذات فوائد جمة وآثار إيجابية على حياة البشر في شتى بقاع العالم إلا أنها تسببت في العيش ببيئة متخمة فكرياً وبمعلومات متغيرة
الأفكار مثل البذور إذا سقطت على أرض ما ووجدت البيئة المناسبة والظروف المتاحة نمت وظهرت للعيان كزرع ونبات
يجب أن نحسن اختيار الأفكار التي تدخل عقولنا مثل اختيار الغذاء والشراب الذي نتناوله والهواء الذي نتنفسه إن أردنا التمتع بصحة جيدةحنان عبدالمعبود
الصحة وأبعادها قد تكون أمرا يشغل بال الكثيرين ممن يعملون في قطاع الصحة، حيث يحاولون تطبيق هذه الأبعاد من أجل حصول الناس على قدر كبير من التعافي والعيش بوضع صحي مستقر لسنوات أطول.
ولكن هناك أناس تشغلهم أمور أكثر من مجرد التطبيق، فهناك مبدعون يكدون ويتعبون للبحث في الأسباب ودراسة الأمور عن كثب للخروج بأبعاد ومنظور جديد قد يفيد الناس أكثر في جوانب حياتهم المختلفة. ومنهم الوكيل المساعد لشؤون التخطيط والجودة بوزارة الصحة د.وليد الفلاح الذي قدم لمنظمة الصحة العالمية بعدا جديدا يضاف الى الأبعاد الـ 4 للصحة والتي كانت الى وقت قريب 3 فقط وتم اعتماد البعد الرابع مؤخرا، ليأتي د.الفلاح ويضيف البعد الخامس وهو «البعد الفكري»، والذي جاء مكملا للأبعاد الأربعة السابقة، من صحة جسدية ونفسية واجتماعية وروحية. وعن هذا البعد الجديد التقت «الأنباء» د.الفلاح لترصد عن كثب وجهة نظره فيه. فكانت هذه المحصلة.
الأبعاد الأربعة
منظمة الصحة العالمية وضعت عدة أبعاد للصحة، وتبلغ هذه الأبعاد ثلاثة، ثم أضافت بعدا رابعا، ولكنكم أضفتم بعدا جديدا آخر لتكون خمسة أبعاد وهو الصحة الفكرية، هلا حدثتنا عنها؟
٭ إن منظمة الصحة العالمية تعرف مصطلح «الصحة» بأنها ليست فقط الصحة الجسدية ولكنها أيضا الصحة النفسية والاجتماعية، وفي الفترة الأخيرة تمت إضافة بعد رابع وهو الصحة الروحية. وهذا التطور في مفهوم الصحة يعد تطورا رائعا يعكس نظرة شمولية يجب أن تكون أساسا عند وضع الخطة الصحية، وتترجم إلى واقع عملي فيما يقدم للناس من خدمات صحية. ولكني شخصيا أعتقد أن هناك بعدا خامسا بجب أن يضاف إلى الأبعاد الأربعة السابقة حتى يكتمل المفهوم. هذا البعد الخامس هو الصحة الفكرية.
فالأفكار مثل البذور التي إذا سقطت على أرض ما، ووجدت البيئة المناسبة والظروف المتاحة نمت وظهرت للعيان كزرع ونبات، وكل مزارع حصيف يدرك تماما أن عليه أن يختار البذور بكل عناية ويميز بينها لكي يكون الحصاد جيدا ومفيدا، كما أنه يجب أن يكون متيقظا دائما حتى لا يسقط على أرض مزرعته بذور ضارة، لأنها لو نمت وكبرت فإنها ستؤثر تأثيرا سيئا على محصوله الذي يرغب فيه. كذلك هي الأفكار عندما تسقط على أرض العقول فإنها قد تنمو وتكبر بما يتناسب مع ما في شخصية الفرد من ميول وأهواء وشهوات ورغبات، وتظهر بعد حين كأفعال وتصرفات قد تكون جيدة أو سيئة. من هنا ندرك الأهمية القصوى لحسن اختيار الأفكار التي ندخلها عقولنا مثلما نحسن اختيار أفضل وأجود الغذاء والشراب الذي نتناوله والهواء الذي نتنفسه إن أردنا التمتع بصحة جيدة.
مكمن الخطورة
ما الأسباب التي جعلتك تطرح مفهوم الصحة الفكرية في الفترة الحالية بالذات؟
٭ نحن نعيش في عصر توافر المعلومات، وعصر سرعة انتشار الأفكار وهذا الوضع القائم تعدى بشكل كبير جدا ما كان متوافرا في السابق من خلال الكتب والمجلات والجرائد والإذاعة والتلفزيون. التكنولوجيا الحديثة جعلت المعلومة متوافرة لكل من يحتاجها وشبكة الانترنت تتجاوز الحدود الجغرافية، وتمكن الناس في شتى بقاع العالم المختلفة من التواصل وتبادل المعلومات والأفكار والآراء، وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي يتزايد استخدامها، كأهم الوسائل للتعبير عن الرأي وإبداء الآراء بما يجري في العالم من أحداث وتطورات. بالاضافة إلى ذلك التطور المذهل في وسائل الاتصالات بما تقدمه شركات الهواتف النقالة، وما توفره من إمكانيات وخدمات للتواصل، وما نراه من قنوات تلفزيونية متنوعة ومتعددة بشكل كبير عبر الأقمار الاصطناعية. فالبشر على الأرض في القرن الواحد والعشرين يتعرضون يوميا لآلاف من الأفكار المختلفة سواء كانت أفكارا جيدة أو سيئة، وهذه الأفكار تستقبلها العقول بدون تمييز أو تمحيص أو غربلة وهنا مكمن الخطورة.
أهمية العقل الباطن
هل هناك خلفية تاريخية لهذا المفهوم الهام؟
٭ نعم، ففي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تم وضع الأسس العلمية لعلم النفس الحديث على أيدي ثلاثة من المفكرين الكبار وهم «كارل غوستاف يونغ» و«سيغموند فرويد» و«ألفرد أدلر» وبالإمكان الإطلاع على مساهمات كل منهم في هذا المجال على صفحات الإنترنت. ويعد الاكتشاف الأبرز في هذا العلم هو إدراك الأهمية القصوى للعقل الباطن في سلوك الكائن البشري، من حيث الشهوات الخفية والرغبات الدفينة والدوافع الكامنة في طبيعة الشخصية البشرية. إذن الفرد ليس فقط عقلا واعيا ومعروفا لديه، ولكنه أيضا عقل باطن ولكنه مجهول لديه، وبذلك سقط الاعتقاد السائد في ذلك الوقت بأن البشر يتصرفون بناء على أهداف واضحة ومعروفة لديهم. ومن هنا أصبح تحليل الشخصية مطلبا أساسيا وضروري جدا، وقديما قالوا: «اعرف نفسك»!
وفي عام 1902 نشر المفكر الإنجليزي «جيمس ألن» (1864 ـ 1912) كتابا صغيرا في حجمه ولكنه كبير في مضمونه ورائع في طرحه أسماه «كما تفكر.. تكون» وهذا العنوان مأخوذ من المقولة المأثورة: «كما تفكر في أعماقك.. فإنك تكون»، وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب الشهير: «هذا الكتاب الصغير (والذي جاء نتيجة التأمل والخبرة) ليس المقصود منه أن يكون مرجعا متكاملا لموضوع متداول بكثرة وهو قوة تأثير الفكر».
إنه كتاب يقدم اقتراحات وليس شروحات، حيث ان الغرض الأساسي منه هو تشجيع الرجال والنساء لاكتشاف وإدراك الحقيقة التالية: «أنهم هم الذين يصنعون أنفسهم نتيجة أفكارهم التي يختارونها، ويتمسكون بها». إن العقل هو الذي ينسج باقتدار كلا من نسيج التكوين النفسي داخليا ونسيج الشخصية الظاهرة خارجيا، وكما أنهم سابقا كانوا نتاج الجهل والألم فإنه حاليا يمكن إعادة نسيجهم بالعلم التنويري والسعادة. وكتب أيضا هذا المؤلف المبدع في نفس الكتاب هذه الجملة العظيمة: «كما ينمو النبات ـ ولا يكون بغير ذلك ـ من البذرة، فإن كل فعل يصدر من الفرد هو نتيجة بذور فكرية خفية. وهذا ينطبق على كل الأفعال سواء كان الفعل عفويا أو مقصودا».
تجارب الآخرين
وكيف يمكن الاستفادة من تجارب الآخرين في هذا المجال؟
٭ ان الغرب يتميز بإدراكه لأهمية «أدب السيرة الشخصية» سواء السيرة الذاتية أو السيرة التي يكتبها الباحثين والدارسين، وتحرص الجامعات الأكاديمية والمراكز العلمية المتخصصة وبيوت النشر على نشر كتب ودراسات عن الشخصيات العامة في كافة المجالات وبالذات السياسية والاقتصادية والثقافية. وهذا الاهتمام الكبير إنما هو نتيجة إدراك تلك الدول لضرورة توثيق التاريخ من جهة والتعرف على أبعاد ودوافع تلك الشخصيات المؤثرة في مسيرة المجتمعات المختلفة من جهة أخرى. أما في الدول العربية، فإن الأشخاص المهمين من حيث التأثير إيجابيا أو سلبيا في مجالات الحياة المختلفة يدخلون دائرة النسيان عند ترك المنصب أو ترك الحياة الدنيا. يذهب الشخص وتذهب معه خبرته وتجربته في الحياة، والخاسر حتما هو المجتمع.
الفكر الخفي
ما آثار هذا المفهوم على المجتمع؟
٭ يقول الحكماء ان الفكر هو أساس كل ما يصدر عن البشر من قول وفعل أو تصرف وسلوك. بناء على ذلك تستطيع أن تستنتج ما هو الفكر الخفي في عقول الناس والذي يظهر للآخرين كأقوال وأفعال في حياتهم اليومية ويقول المثل العربي: «كل إناء بما فيه ينضح»، وفي المقابل يمكنك تخمين ردود الأفعال إذا عرفت الفكر السائد. هذا من حيث النظرية ولكن هل هو كذلك من حيث الواقع؟
كذلك يكثر الحديث في السنوات الأخيرة عن خطورة تلوث البيئة وعن الآثار الضارة لهذا التلوث على حياة البشر، أيضا عن أهمية العمل بكل جدية وسرعة من قبل دول العالم للحد من هذا التلوث البيئي، والتعاون من أجل تبادل الخبرات في أفضل السبل المتاحة للقضاء على آثاره الخطيرة. وهذا التوجه العالمي هو بلا شك توجه ضروري جدا ويعكس تطور الوعي البشري الذي يدرك مسؤوليته للحفاظ على البيئة وأهمية الحفاظ على التوازن في الطبيعة. ولكن هناك خطرا آخر يهدد البشرية، ولا يقل أهمية عن خطورة التلوث البيئي، وهو «التلوث الفكري». ومن هنا تأتي هذه المحاولة المتواضعة لتسليط الضوء على موضوع في غاية الأهمية ولكنه مع الأسف مجهولا لدى الناس وهو يؤثر فيهم وهم لا يشعرون.
النتائج الضارة
وما «التلوث الفكري»؟
٭ شهدت السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا ومهما في الوعي البشري لخطورة التلوث البيئي على حياة البشر والحيوانات والنباتات على كوكب الأرض، وأنه لابد من اتخاذ خطوات حاسمة وعاجلة للحد من هذا التلوث ومعالجة آثاره واتباع أساليب جديدة وحديثة في المصانع ووسائل النقل وأساليب الإنتاج فيما يسمى «أساليب صديقة للبيئة». عندما انطلقت الثورة الصناعية في أوروبا لم يكن في الحسبان في ذلك الوقت أنه بعد عقود عديدة من السنين ستكون هناك هذه الآثار السلبية والنتائج الضارة على البيئة.
وها هو التاريخ يعيد نفسه منذ انطلاقة الثورة المعلوماتية وما نتج عن هذه الثورة من سرعة انتشار المعلومات والأفكار وسهولة الحصول عليها ودخولها البيوت بواسطة القنوات الفضائية وشبكة الانترنت والوسائل الحديثة للاتصالات. ولا يستطيع أحد أن ينكر الفوائد الجمة لهذه الثورة المعلوماتية وآثارها الايجابية على حياة البشر في شتى بقاع العالم. ولكن الحياة تعلمنا دائما أنه على الرغم من الفوائد المتعددة لأي نهج جديد إلا أن هناك نتائج أخرى لا تظهر إلا بعد سنين وقد تكون ضارة ولم تكن أبدا في مخيلة من كانوا هم صناع هذه الثورة، صناعية أو معلوماتية، وكذلك المتحمسون لها والمنادون بتطبيقها بدون حدود أو قيود. نحن نعيش الآن في بيئة متخمة بالأفكار المختلفة والمعلومات المتغيرة على مدار الأربعة والعشرين ساعة في اليوم وهي تدخل إلى العقول التي تستقبلها بلا تمحيص بين الجيد منها والسيئ وبين المفيد منها والضار. إن الأفكار مهما كان نوعها عندما تدخل العقول قد تجد البيئة المناسبة لها لتنمو وتتطور وتظهر لاحقا كسلوكيات وتصرفات. من الملاحظ جدا أن السعي المتواصل لتسليط الضوء على السلبيات في أي مجتمع والتجاهل المتعمد للإيجابيات يوجد مع مرور الوقت حالة غريبة من التشاؤم والإحباط بين أفراد ذلك المجتمع.
تأثير العقل على الجسم
اذن ما الخطوات العملية للاستفادة من هذا المفهوم الجديد في الحياة اليومية؟
٭ من أهم المستجدات الحديثة في هذا المجال فيما يتعلق بالطب هو ما يسمي «تأثير العقل على الجسم» حيث ان الفكر المتأصل لدى المريض إن كان متفائلا أو متشائما من حيث تطور المرض ومدى نجاح العلاج واستجابة الجسم لذلك العلاج ينعكس إيجابيا أو سلبيا على الحالة المرضية لذلك المريض ومدى تجاوبه مع العلاج. يقول أحد الخبراء في هذا المجال: «الفكر يؤثر في الصحة بطريقة أكبر مما يتخيله الناس. مما لا شك فيه أن الصفات الوراثية وأساليب المعيشة ونوعية الغذاء والشراب كلها عوامل مهمة في الصحة والمرض إلا أنني أعتقد أن الفكر هو العامل الأهم. وعندما أتكلم عن الفكر فإني أشمل أيضا العواطف لأنها تتأثر بالفكر وتتغير بتغيره، لذلك فإنه من المهم جدا تدريب النفس البشرية للتفكير بشكل إيجابي ولنبذ الأفكار السلبية».