Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
«يوم تاريخي» في ملف الأزمة التركية ـ الكردية.. أوجلان أطلق حربه ضد أنقرة من سورية والثورة السورية أنضجت التسوية وسرعتها
22 مارس 2013
المصدر : بيروت

من سورية انطلق زعيم حزب العمال الكردستاني عبدلله أوجلان في نضاله العسكري ضد تركيا. وبسبب سورية حصل أوجلان على تسوية تاريخية مع تركيا.
في أواخر التسعينيات وأواخر أيام الرئيس الراحل حافظ الأسد، كادت الحرب أن تقع بين سورية وتركيا التي حشدت قواتها على الحدود وأرسلت إنذارا جديا. تلقف الأسد الرسالة وتعاطى معها بجدية: سارع إلى توقيع «اتفاقية أضنة» الأمنية مع تركيا، وطرد أوجلان من سورية ليقع في المصيدة التركية، عندما اصطادته قوة تركية خاصة في نيروبي عاصمة كينيا لينقل إلى السجن في جزيرة «إيمرالي» التركية ويمضي عقوبة بالسجن المؤبد.
بعد 14 عاما تقريبا أمضاها في السجن، يثبت أوجلان أنه مازال الزعيم الكردي الأول والأوحد، وأنه القادر على إبرام تسوية وتوقيع اتفاقات مع الحكومة التركية وعلى تنفيذها. عاد اسم «أوجلان» الى تصدر الواجهة في تركيا من جديد، بعدما أجرى مفاوضات من داخل سجنه مع الحكومة التركية أدارها مدير المخابرات «فيدان» وتوصل إلى تسوية سياسية لنزاع طويل استمر أكثر من 30 عاما وأوقع آلاف القتلى.
وأمس 21 مارس 2013 أعلن أوجلان رسميا عن هذه التسوية، في اليوم الذي يصادف عيد النوروز الكردي. وفي مدينة ديار بكر الكردية.
وتضمن «إعلان ديار بكر» أو «إعلان أوجلان» نقاطا عدة أبرزها: تأكيد انتهاء عهد العمل المسلح، ثم طلب وقف متبادل للنار، يليه وقف دائم ونهائي للنار من قبل «الكردستاني»، يبدأ بعده مسلحو الحزب انسحابا تدريجيا من تركيا إلى شمال العراق، بالسرعة الممكنة.
في المقابل، ينتظر أوجلان من حكومة رجب طيب أردوغان إجراء تعديلات دستورية تشمل قوانين وضعها مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، أهمها تعريف المواطنة في تركيا الذي صهر كل الأعراق تحت سقف العرق التركي. وهذا تغيير ضخم سيطاول هوية الجمهورية التركية، والرهان على نيله إجماعا شعبيا ليس مضمونا. كما اتفق أوجلان مع الاستخبارات التركية على إقرار قانون الإدارة المحلية، بصيغة أوروبية، وهذا أمر تعاقبت الحكومات السابقة على رفضه، خشية تحول تركيا من دولة قومية إلى فيدرالية.
في المقابل ماذا تحصل الدولة التركية من مكاسب؟
المعطيات المؤكدة أنه مقابل كل هذه الاقتراحات سيتحقق أمران:
الأول موافقة النواب الأكراد الثلاثين التابعين لـ «حزب السلام والديموقراطية» على مسودة الدستور الجديد الذي يعمل رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان عليه، ورهانه أن يؤيد النواب الأكراد، أو بعضهم، اقتراح تعديل الدستور في البرلمان ليحصل على الأقل على 330 صوتا وهو العدد الضروري لتحويل التعديل الدستوري إلى استفتاء شعبي، يرى أردوغان أنه واثق بحصوله على تأييد غالبية الناخبين.
لكن جوهر الموضوع هنا بالنسبة لأردوغان أنه يعطي الأكراد مطالب أساسية لهم، في مقابل اعتماد الدستور الجديد النظام الرئاسي في تركيا، والذي يتيح لأردوغان أن يصبح رئيسا للجمهورية بدءا من العام 2014 لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد في انتخاب شعبي وبصلاحيات كاملة، بحيث يتحول رئيس الحكومة المقبل إلى موظف لا صلاحية له عند رئيس الجمهورية. وبهذه الطريقة يتمكن أردوغان من الاستمرار في حكم البلاد 10 سنوات أخرى على الأقل، بعدما يكون قد حكمها 12 سنة كرئيس للحكومة منذ العام 2002.
أما الأمر الثاني الذي يمكن أن تحققه الدولة التركية من مكاسب فستكون على المدى البعيد، وفي ظل التطورات الإقليمية التي تفتح على احتمال تحريك الجغرافيا السياسية، التي قال وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو أنها تنهزم أمام التاريخ.
فعندما يقول داود أوغلو إن الشعوب تنتفض على واقعها في المنطقة، فهو لا يمكن أن يستثني من ذلك الشعب الكردي في تركيا، لاسيما بعدما سبقه إلى ذلك الشعب الكردي في العراق والآن يتحرك الشعب الكردي في سورية في انتظار انتقال العدوى إلى إيران.
في ظل هذه المتغيرات التي ترسم للمنطقة يأتي أيضا التقارب التركي مع أكراد العراق، والضغط للحل في تركيا من أجل استباق أي تغييرات في الخريطة السياسية في المنطقة تركيا غير مهيأة لها.
إن التخطيط لكيانات كردية في العراق وسورية وتركيا وإيران منفصلة عن بعضها، وبرعاية تركية، يجعل من أنقرة الوكيل الحصري للولايات المتحدة والغرب في المنطقة، والراعية والمهيمنة خصوصا إذا نجح الغرب في تغيير النظام في سورية، وإقامة نظام موال لتركيا أو حتى في حال ذهاب سورية إلى التقسيم إلى دويلات صغيرة، كردية وعلوية وسنية، تعزز من نفوذ تركيا، لكونها ستبقى الدولة الأكبر والأقوى في الفسيفساء الكيانية الجديدة، بينما إيران بعيدة جغرافيا عن التأثير لاسيما فيما يتعلق بسورية.
ولذلك فإن أي حل لابد أن يكون متكاملا ويشمل تفاهما على الوضع الكردي في تركيا وشمال سورية، بالإضافة إلى وضع المتمردين الأكراد في جبال قنديل في شمال العراق. وكشفت معلومات عن جانب آخر من المحادثات يتعلق بأكراد سورية. وقالت: إن أوجلان تواصل مع قيادات الكردستاني في شمال سورية والقيادات الكردية السورية. وأشارت إلى أن الكردستاني يضغط على أكراد سورية للابتعاد عن نظام الرئيس بشار الأسد. وأوضحت أنه «في الفترة الأخيرة بدأنا نلاحظ مرونة كبيرة في موقف أكراد سورية وهذا ناجم عن الضغط الذي يقوم به أوجلان».
لا شك أن هذه الخطوة الجريئة التي أقدم عليها رجب طيب أردوغان ما كان لها أن تحصل ـ أو تتسرع ـ لولا الوضع المستجد في سورية منذ عامين. لقد كشفت الأزمة السورية و«اكتشف» معها الزعيم التركي أن الحدود التركية مع سورية من ريف حلب إلى القامشلي (500 كلم أكثر أو أقل قليلا) هي بجزء كبير منها حدود كردية. وجعلته التجربة العملية في هاتين السنتين يكتشف أنه فيما يدعم الثورة على النظام في سورية حصل أكراد تركيا و«حزب العمال» تحديدا على مصدر دعم بل على عمق ديموغرافي وسياسي وعسكري لم يكن في الحسبان بهذا الشكل. وهذا فيما تركيا تدخل في عملية دولية إقليمية واسعة لوراثة النفوذ الإيراني في دمشق، لم تصطدم بالمفاجأة الروسية الإستراتيجية بدعم النظام السوري فحسب، بل فوجئت أيضا على حدودها باحتمال تطور سلبي جدا ضدها في المسألة الكردية يجعل من «غرب كردستان» حزاما أمنيا لمقاتلي «حزب العمال» بينما هي تسعى لتكريس حزام أمني في الشمال ضد نظام بشار الأسد. وظهر أثر ذلك في تصاعد خطر في العمليات المسلحة الكردية داخل تركيا ولو أن انطلاق المقاتلين «الشكلي» بقي مركزا في شمال العراق.
فهم أردوغان بالتجربة أن منع تحويل سياسته في سورية إلى عبء استراتيجي على تركيا في قضيتها الداخلية الأخطر، وهي المسألة الكردية، يتطلب القيام بمبادرة غير مسبوقة في الحوار مع الزعيم الكردي المعتقل لديها أوجلان.
وتشير أوساط كردية إلى أن أكراد تركيا لا يريدون الانفصال ولا الدولة المستقلة ولا الفيدرالية، بل جمهورية تركية ديموقراطية لها أقاليم ذات حكم ذاتي واعتراف بالهوية الكردية في الدستور، وهو المطلب الذي يريده أكراد سورية الذين لم يكن موقفهم ملتبسا من الوضع في سورية، إذ انهم يؤيدون التغيير الديموقراطي السلمي من جهة ويريدون الاعتراف بهويتهم في الدستور مع حكم ذاتي. ولكن عندما تحولت حركة الاحتجاجات إلى حركة مسلحة وتدخلت الدول الأجنبية، لاسيما تركيا، فإن أكراد سورية وقفوا ضد المعارضة السورية المسلحة، لكن طبيعة علاقتهم مع هياكل المعارضات السورية، ولاسيما «المجلس الوطني السوري»، كما «الائتلاف الوطني» الذي تأسس في الدوحة لم تكن مشجعة أبدا، حيث رفضت المعارضة الاعتراف بالهوية الكردية في سورية الغد، واكتفت بالقول انه سيكون للأكراد كل حقوق المواطنة.
وترى هذه الأوساط أن رفض المعارضة للمطالب الكردية سببه الأساسي تركيا التي شكلت «المجلس الوطني» ولا تريد نشوء واقع كردي في سورية. وهنا تشير هذه الأوساط إلى أن حكومة «حزب العدالة والتنمية» تحاول أن تغري رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني بالدخول إلى شمال سورية، ليكون أكراد سورية تحت سيطرته وزعامته، حتى لا يقع تحت السيطرة المباشرة لـ «حزب الاتحاد الديموقراطي» الذي يعتبر تابعا لـ «حزب العمال الكردستاني».
وفي هذا السياق، يأتي جانب من تقارب أنقرة مع اربيل، غير أن هذه الرغبة التركية لم تتحقق، واتفق الأكراد جميعا على تشكيل الهيئة الكردية العليا التي تضم مختلف الفئات الكردية السورية، والتي تدير الوضع الكردي في سورية سياسيا وعسكريا، وفي هذا المجال فإن عددا كبيرا من المقاتلين الأكراد السوريين يتدربون في شمال العراق ويأتون إلى سورية.
ويرى محللون أتراك أن الحكومة التركية «تبدو مصممة على الحل وعبد الله أوجلان مستعد للتعاون، وأن أوجلان كان يناور في السابق ولديه تذبذب في المواقف نتيجة قوة الجيش التركي، ولما ضعفت قوة العسكر بدأ يتعاون مع الحكومة بعدما رأى أنها راغبة في الحل وأنها قوية كفاية لفرض أي حل يتم الاتفاق عليه».
وأوضح أوجلان أن الحل ممكن على طريقة «الحكم الذاتي الديموقراطي» الذي يختلف عن مفهوم الحكم الذاتي المعروف، مشيرا إلى أن هذا المفهوم يتقارب مع المعايير الدولية خصوصا معايير الاتحاد الأوروبي الذي يسعى الأتراك للانضمام إليه. ويرتبط جزء من الحل المقترح للأزمة بمفاوضات إعداد الدستور التركي حيث يتم بحث مفهوم «المواطنة» بحيث يمكن أن تشمل غير الأتراك خلافا للتعريف الحالي.
إن الحديث عن التسوية التي لا تفتقد الشروط المؤاتية، لا يمكن أن يكتمل من دون الحديث عن المعوقات التي يمكن أن تنتصب في مواجهتها، وأهمها مدى مصداقية أردوغان في التجاوب مع التطلعات الكردية في تركيا حتى النهاية، خصوصا أنه لايزال يرفض الاعتراف بوجود قضية كردية في تركيا، كما مدى قدرته على التسويق لمثل هذه الاتفاقية إن تم التوصل إليها، في ظل أيضا التناحرات السياسية والاجتماعية في الداخل. وتنتصب أيضا معوقات إقليمية، إذ إن الكثير من الأطراف الإقليمية والدولية تستفيد من حالة استمرار النار الكردية مشتعلة في تركيا لتمدد نارها إلى سورية والى إيران، ومن أجل منع دولة مسلمة (حتى لو كانت مستسلمة للغرب) من أن تشكل قوة تأثير تتجاوز أقاليمها المحيطة بها.