تولى رحمه الله العديد من المواقع الرسمية والدعوية في المملكةعالم كان يشع وجهه سماحة ورحمة، وتشع روحه حماسا وتفاؤلا فجمع، رحمه الله ، الأصالة مع المعاصرة، والصمت الحكيم، وتقدير الناس مع الزهد الحقيقي.
فالذين عرفوا الشيخ صالح الحصين، رحمه الله، والذي وافته المنية يوم السبت الماضي، وتعاملوا معه عن قرب يتفقون على هذا الشعور حيال تلك الشخصية التي حباها الله نعمتي العمق والبساطة فتجد نفسك مشدودا له، وأنت لا تعرف بالضبط ما الذي جذبك إليه، هل لأفكاره التي تصل للجميع، أم لإحساسك وأنت تراه للمرة الأولى أنك تعرفه من قبل، أو ربما كان أحد أقاربك؟
كان رحمه الله من العلماء الذين قل أن يتحدث، فعمله كان يسبق حديثه إضافة إلى تواضعه وزهده وحب الناس له وأعماله الجليلة التي جعلته محل ثقة القيادة وامتداح الجميع له فكان شخصية ذات نسيج مختلف، يرى أن العمل الخيري والاجتماعي والإنساني أكثر إمتاعا له من الوظيفة الرسمية، فكان امثاله في سلوكه وقناعاته قلة، وأسس بنهجه الحميد مدرسة في نكران الذات، فضلا عن بنائه شخصية اجمع على احترامها مختلف الشرائح بوصفه رجلا عطر السمعة وحسن السيرة ومعروف عنه الكثير من الخصال الحميدة، ليكون طوال مسيرته رجل دولة من الطراز الفريد وممن خدم الدين والوطن في عدة مواقع فعرف بأنه من خيرة الرجال وأنصحهم وأصدقهم وأقومهم وأنقاهم.
رحلة العمر
ولد رحمه الله في محافظة شقراء في المملكة العربية السعودية العام 1351هـ، ودرس الابتدائية بها ثم انتقل للدراسة في دار التوحيد بالطائف، ثم انتقل إلى مكة المكرمة حيث أكمل دراسته الجامعية في كلية الشريعة بمكة المكرمة، الى ان حصل على ماجستير في الدراسات القانونية من جامعة القاهرة بمصر، ودرس بها.
عمل في بداية حياته مدرسا بالمرحلة الابتدائية، كما عمل مدرسا في معهد الرياض العلمي بعد ذلك تم تعيينه مستشارا قانونيا في وزارة المالية والاقتصاد الوطني ثم عمل وزيرا للدولة، وعضوا في مجلس الوزراء من عام 1391هـ إلى العام 1394هـ.
كما تولى رحمه الله العديد من المواقع الرسمية والدعوية، فكان عضوا في هيئة كبار العلماء، وعضوا في مجلس أمناء مؤسسة الوقف الإسلامي، ورئيسا لمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، كما تولى عددا من المناصب الحكومية، منها: مشرفا على هيئة الخبراء بمجلس الوزراء، ورئيسا لهيئة التأديب، ووزير دولة، وعضوا في مجلس الوزراء، ورئيسا عاما لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي.
ثقة خادم الحرمين
جمع ثقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بتولي الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف مع رئاسة اللجنة الرئاسية لمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، وتوجيه وتنفيذ مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز لترسيخ الوسطية والاعتدال، وجعل الحوار طبعا من طباع المجتمع السعودي وأسلوب حياة، فكان رحمه الله كثير الترديد لمآثر وجهود خادم الحرمين الشريفين وكان دائم الدعاء لمقامه الكريم آناء الليل وأطراف النهار، وأن يوفقه ويسدد خطاه، لخدمة الدين والوطن، وقد روى طوال مسيرته الكثير من الحقائق ما يعجز القلم عن سردها من إنجازات وتوفيق خادم الحرمين الشريفين في كثير من المشاريع المرتبطة بالحرمين خصوصا أو بالمملكة العربية السعودية بصفة عامة.
الزهد في الدنيا
كان الشيخ، رحمه الله، موفقا توفيقا كبيرا في الجمع بين الزهد في الدينا، إلى جانب الانطلاق بلا حدود في خدمة الدعوة الإسلامية، ونشر قيم الإسلام وفضائله، وهي معادلة صعبة، وحين سئل عن حكايات الزهد والمعادلة الصعبة التي يقع فيها كثير من الناس بين شطريها: كيف نجمع بين التحبب إلى الزهد ثم دعوة الله عباده إلى إظهار النعمة؟ فأجاب الشيخ: «لا تعارض» لجلاء في التوازن بين هذا وذاك، وموجز ذلك ما قاله ابن تيمية عن زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاكر لنعم ربه لا يرد موجودا ولا يطلب مفقودا، وإذا كان لدى المرء رصيد ودخل كبير، فإن الرجل الرشيد يستهلك من أمواله ما يحتاج، ثم ينفق ما بقي لمستقبله الذي أمامه، ليس مستقبل الدنيا فحسب، بل الآخرة.
الرثاء
الاقلام الصحافية في المملكة رثت شخصية العالم الجليل ومنها ما كتبه عبدالرحمن الشبيلي من جريدة «الشرق الاوسط» قائلا: شخصية الشيخ الحصين ولدت من عجينة خاصة، كل مركبات جيناتها من الزهد في القول، والزهد في اللباس والمأكل والمشرب والمركب، والزهد في التصرفات، والزهد في الأضواء، وكأنه من جنس من البشر عرف أسرار التطوع ومعاني قوته وعظم أجره فأراد أن يكسب ذلك لنفسه، وأن يكون قدوة لمحيطه، كما أدرك زيف الحياة الدنيا وشهواتها ومغرياتها ومظاهرها، فرصدت له أوساط المجتمع الذي عاش فيه، كثيرا من حكايات التقشف، تدل على بساطة حياته وسماحة نفسه وعزوفها عن البهرجة والمظاهر الزائفة، لقد كان الشيخ الحصين بمثل هذا التواضع «المعلم» لمن حوله في نهج الحياة، وفي أسلوب المعيشة ونزاهة اليد، فبينما يتسابق البيروقراطيون وذوو الجاه إلى التشبث بالرونق و«البريستيج» نجده يستكشف جوانب المتعة والتلذذ والمنطق في تبسيط أساليب الحياة، عندما يتعفف عن ركوب المقاعد الوثيرة في الرحلات الجوية، ويجد أن حافلة النقل العام بين مكة المكرمة والمدينة المنورة هي الأقرب والأسهل والأسرع زمنا للوصول بين النقطتين، وهي تصرفات لا تصدر عن بخل أو تقتير، لأن دروب الخير ومصارف الإحسان مفتوحة أمامه، بل هي جزء من حياته اليومية لا يدري عنها سوى أقرب الناس.
أما الأمر الثاني اللافت للنظر فهو في تنوع مداركه المعرفية، المتمثلة في الإلمام بعدد من اللغات، وبمبادئ الاقتصاد والعلوم الطبية، وبأفكار بعض الفلاسفة المسلمين والغربيين، مما يجعله يبحر في الحديث الفلسفي واللغوي والطبي عندما يطلب منه التعليق في بعض المحافل الفكرية والثقافية.
صورة الإسلام الحقيقية
وكان، رحمه الله، يدعو شباب المسلمين إلى ضرورة المبادرة بطرح الصورة الحقيقية للإسلام، وأن يتجنبوا ما أسماه «بدعة الاعتذار» التي هي اسم آخر للانهزامية، مجرد غطاء لعدم ثقتنا بديننا وأنفسنا. كما كان يؤكد على ضرورة الاتباع الواعي والحازم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ إن السنة ما هي إلا تعاليم الإسلام مترجمة عمليا لا أكثر ولا أقل وبتنفيذها بصفتها المعيار الأكمل في متطلبات الحياة اليومية سنتمكن بسهولة من التمييز بين أي حوافز الحضارة الغربية يمكن قبوله وأيها يجب رفضه.
التشييع
وكانت جموع من المصلين قد ادت يوم الاحد الماضي صلاة الميت على جثمان الحصين وشارك في الصلاة ـ التي تمت بجامع الراجحي بالرياض ـ صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبدالعزيز، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء السعودي والمستشار والمبعوث الخاص لخادم الحرمين الشريفين.
وأدى الصلاة مع النائب الثاني، صاحب السمو الملكي الأمير د. منصور بن متعب بن عبدالعزيز ـ وزير الشؤون البلدية والقروية ـ وصاحب السمو الملكي الأمير خالد بن بندر بن عبدالعزيز ـ أمير منطقة الرياض ـ وصاحب السمو الملكي الأمير د.عبدالعزيز بن سطام بن عبدالعزيز، وصاحب السمو الملكي الأمير تركي بن عبدالله بن عبدالعزيز ـ نائب أمير الرياض ـ وصاحب السمو الأمير سعود بن سلمان بن محمد، وصاحب السمو الأمير محمد بن سلمان بن محمد، وصاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد بن مقرن بن عبدالعزيز.
وشهدت الطرقات المؤدية للجامع ازدحاما شديدا بسبب كثرة الجموع الغفيرة التي قدمت للصلاة على الفقيد حيث كان الحضور مهيبا من رجال ونساء.
مشاهدات من مسيرة الراحل
٭ كان الشيخ صالح الحصين يطوف على الدول الأفريقية بنفسه وينفذ المشاريع بماله، وإذا نزل بلدا حرص على أن ينزل عند أحد الدعاة بدلا من الفندق.
٭ لم يكن عند الشيخ صالح سيارة، وكان يقضي حوائجه ويسعى في مشاويره على سيارات الأجرة، ويقول ممازحا : أنا أركب سيارات متنوعة وأنتم تركبون واحدة.
٭ كان يحج ماشيا ويحمل معه متاعه ويجلس بين الناس، وإذا سأله أحد عن الحملة؟ قال: في حملة الرصيف الصالح أو رصيف الرحمن.
٭ لما عاد أحد رجال الدين الشيخ صالح الحصين في مرضه الأخير، دعا بدعوة لم تكن معهودة فقال له: نسأل الله أن نلتقي في الجنة، كأنه آنس دنو أجله.
٭ تقلد لقب معالي قبل 40 عاما، وما رئي عليه شيء من أبهة اللقب ولا غروره، لكنه كان يحمل معاني المعالي بحق ويمشي بها في الناس.
٭ لم يكن يتكلف في حديثه ولا منطقه ولا نبرة صوته، وكنت إذا سمعته يتحدث قلت هذا من أعيا الناس ووالله لقد كان من أوعاهم.
٭ كان إذا سافر لحضور بعض المؤتمرات يحمل كيسا بيده فيه غيار واحد من اللباس ولم يكن يحمل حقيبة ولا شيئا مما يفعله الناس.
٭ لما تقلد أحد المناصب جاء الخادم ليخلع مشلحه خدمة له، فالتفت إليه وقال: ان خلعته أو تركتني أخلعه فلن يتغير اسمي فأنا صالح الحصين.
٭ من لطائفه أنه كان ينوي بالرياضة القيام بحق أمانة الجسد ويقول: الجسد أمانة ائتمنا الله عليه فلا يصلح إهماله، وكان رحمه الله كثير التحرز من شبه الأموال بل الدنيا لا تساوي شيئا عنده.
٭ كان جادا مشمرا للآخرة صاحب هم لا يعرف الهزل منشغلا عن ذلك بما يقوم به من أعباء الأمة.
٭ كان كريما كثير البذل لماله في وجوه الخير عضوا في كثير من الجمعيات يتبرع لها كلها، ولا يذكر له مجال خير إلا ساهم فيه.
٭ من وفائه حين سجن أحد تلاميذه العاملين في الدعوة في الخارج كتب خطابا يشفع له ومن ضمن ما قال: ان كل ما عمله فلان فهو بأمري.
العلّامة صالح الحصين عالم شديد الحياء والزهد
بقلم: يوسف عبدالرحمن
غيب الموت شيخنا العلامة صالح بن عبدالرحمن الحصين الناصري التميمي وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء سابقا، في المملكة العربية السعودية والرئيس العام لشؤون الحرمين الشريفين، وعضو هيئة كبار العلماء ورئيس جمعية هدية الحاج والمعتمر. وله مقاعد ومراكز كثيرة يشغلها فلقد كان دائما يشرف الكرسي الذي يجلس عليه، رحمه الله.
كان ارتباطنا به عن طريق الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، فهو أحد أبرز مؤسسيها الكرام، وقد كلفني العم يوسف الحجي رئيس الهيئة حينذاك بمحاولة مرافقته لقضاء حوائجه عندما يزورنا في الكويت لحضور اجتماعات مجلس الإدارة او الجمعية العامة، وكان، رحمه الله، يتهرب منا فلم يعطنا ابدا موعدا لطائرته، ويقدم من المطار بالتاكسي ويحمل كيسا من النايلون فيه كل متاعه ونحجز له في الشيراتون ونجده في فندق بسيط متواضع وكثيرا لا يعلمنا لا بوصوله ولا مغادرته لأنه شديد الحياء والزهد في هذه الحياة.
والله، يا من تقرأون هذا الكلام لا أقولها مجاملة ولا كذبا على هذا العزيز الذي استرد الله أمانته فيه وغادر هذه الدنيا، وأرجو من يحب ان يتأكد من كلامي هذا ان يتصل بالأخ عادل يوسف مدير مكتب الأستاذ عبدالله المعتوق او الأخ آدم إسماعيل دفع الله السكرتير التنفيذي، فهذا الرجل العلامة لا يوجد له مثيل لا في الحياء ولا في الزهد ومن يزوره في منزله يعرف تواضعه، ويحدثنا العم يوسف جاسم الحجي ـ بو يعقوب عن هذا العالم الجليل فيقول: إن أردت ان ترى إنسانا زاهدا في هذه الدنيا متقشفا فهو والله أخونا الشيخ صالح الحصين، طيب الله ثراه.
لقد تقاعد بعد ان تسلم الوزارة باكرا وعندما سئل، رحمه الله، قال: تركت العمل الحكومي وبه 10 آلاف ريال واذا تقاعدت فسأحصل على 5 آلاف ريال، وهو مبلغ كاف لأنه يوفر لي حياة في منتهى الرفاهية!
الله أكبر يا شيخ صالح، لم تنتظر وكالعادة، وكان لك دورك في التعليم والعمل الحكومي وكليات الشريعة، وأنت الحاصل على الماجستير في الدراسات القانونية من جامعة القاهرة، ودورك لا ينسى في وزارة المالية، وأيضا الحوارات الفكرية (نحن والآخر)، ولعل نيلك لجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام والمسلمين مناصفة مع العم يوسف جاسم الحجي أثلج صدرك، وقد قلت لي ذلك عندما رافقت العم يوسف الحجي ونجله عثمان وأحمد في مدينة الرياض.
كان الشيخ صالح الحصين من كبار العلماء المسلمين في العالم الداعين للوسطية وله بحوث رصينة ومحكمة في مجال الاقتصاد الإسلامي، ودوره لا ينسى في الفكر الإسلامي العالمي والاقتصاد والتشريع، كما ان دوره كبير في المجال الخيري على مستوى المملكة العربية السعودية وهو عضو في الجمعية العامة ومجلس الإدارة بالهيئة الخيرية الإسلامية العالمية وله دور محمود في إحياء سنة الوقف.
رحم الله الشيخ صالح الحصين فهو يشعرك بحجم شكر النعم عندما تشاهده يمارس هذا الدور لا تصنّعا ولا تزلّفا وإنما خلقا وممارسة، وكان دائما، رحمه الله، عندما يحضر مؤتمرات الهيئة وفعالياتها يقول: اذكروا نعمة الله عليكم واشكروه على نصره وفضله، فالكويت سباقة لخدمة الإسلام والمسلمين في كل مكان وهذه نعمة نغبطكم عليها.
هذه الصفحة يستحقها بجدارة وأكثر فلو كتبنا سيرته العطرة لما كفانا إصدار «الأنباء» برمته، لأننا أمام شخصية فذة كان لها نصيب كبير في العمل الدعوي والخيري والعالمي على مستوى بلده والخارج.
لو تصفحنا تاريخ هذا الشيخ الورع التقي الحادب على دينه لوجدناه كالكتاب المفتوح مزدحما بالخير والعجائب والبينات التي تدل على مكانته الرفيعة، ولدوره الذي لا ينسى في الحرمين الشريفين، وما قابل في هذه الحياة من شعوب ودعاة وأقوام وسائلين وقفوا عند مكتبه او بيته فلم يرد سائلا قط.
ومضة: كان شعاره الدائم العمل جهاد وعبادة وفي تواضع الزهاد وهمة العلماء.
آخر الكلام: في آخر لقاء قالها باسما يا وليدي اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم وخرج وبيده كيس نايلون أبيض شفاف فيه كل متاعه.. رحمك الله شيخنا صالح الحصين.
[email protected]