Note: English translation is not 100% accurate
فرع البنك في لندن صرف 10 ملايين إسترليني للكويتيين خلال أسبوعين من الغزو
«الوطني» في الذكرى الثالثة والعشرين للغزو.. قصة مقاومة واستقلال
2 أغسطس 2013
المصدر : الأنباء






مجلس إدارة الوطني اجتمع مع إبراهيم دبدوب يوم الغزو في مكاتب البنك في لندن وقرروا الاستمرار في العمل لخدمة العملاء والقطاع المصرفي الكويتي رغم كل الصعوبات
هدف الوطني كان إثبات أن الكويت دولة مؤسسات ذات سيادة كاملة
موظفو البنك خاطروا بحياتهم لتهريب كل سجلات البنك المصرفية إلى فرعه في لندن فور وقوع الغزو
«فاينانشال تايمز»: ما قام به البنك الوطني خلال الغزو تجربة غير مسبوقة في تاريخ المصارف بالعالم2 أغسطس 1990 ليس يوما للنسيان، وبينما تتجدد كل عام ذكرى الغزو الصدامي للكويت، يبقى دور بنك الكويت الوطني خلال فترة الغزو في ذاكرة الوطن والتاريخ، دليلا على إصرار الشعب الكويتي على المقاومة والانتصار.
قد يكون من الصعوبة تخيل إمكان قيام بنك بمهامه ومسؤولياته العادية في ظل وجود احتلال كامل للبلد الذي ينتمي إليه، لكن البنك الوطني كسر هذه القاعدة وضرب مثالا نادرا للتميز المصرفي والقدرة على تحدي أخطر وأصعب المواقف، من خلال مساهمته بشكل فعال في دعم ومساندة الاقتصاد الوطني الكويتي أثناء هذه الأزمة، حيث استطاع مواصلة أعماله بنجاح خلال هذه الأيام الكاحلة بفضل بعد نظر مجلس إدارته وجهود إدارته التنفيذية المتواصلة أثناء وبعد الأزمة. وهو ما ساهم في عودة البنك الوطني بسرعة لمزاولة أعماله بشكل طبيعي بعد التحرير، وهو ما دفع «فاينانشال تايمز» للتأكيد على أن «ما قام به البنك الوطني خلال الغزو تجربة غير مسبوقة في تاريخ المصارف بالعالم»، وأضافت أنها «الحالة الأولى في العالم التي يبقى فيها الجسد يعمل وهو مقطوع الرأس».
اجتماع مجلس الإدارة يوم 2 أغسطس في لندن
وكان الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني إبراهيم شكري دبدوب قد دعي إلى اجتماع عاجل لمجلس إدارة البنك الوطني في مقر البنك في لندن بعد ساعات قليلة من انتشار خبر الغزو يوم 2 أغسطس، برئاسة المغفور له محمد عبد المحسن الخرافي، ونائب رئيس مجلس الإدارة آنذاك محمد عبدالرحمن البحر، وكل من الأعضاء ناصر مساعد الساير، وحمد عبد العزيز الصقر، ويعقوب يوسف الحمد، الذين كانوا لحسن الطالع متواجدين في لندن.
وفي الاجتماع، سأل مجلس إدارة البنك دبدوب عما يمكن فعله في هذه الحالة وهل هناك سابقة تاريخية لتلك الحالة في تاريخ المصارف في العالم. ورغم أن هذه الظروف الاستثنائية، كان موقف دبدوب واضحا، مؤكدا أن «أمام البنك خياران لا ثالث لهما، وهو إما أن يغلق أبوابه ونجلس في بيوتنا في انتظار ما تسفر عنه الأيام القادمة، أو أن نقرر الاستمرار والمقاومة وهو طريق صعب ومحفوف بالمخاطر والصعوبات، لأنه في ظل الاحتلال قد لا نجد من يعترف بنا على نطاق البنوك العالمية، لكننا نريد أن نثبت أن الكويت هي دولة مؤسسات، وسنقاوم حتى النهاية حتى يعود الحق لأهله وتعود سيادة الكويت للكويت».
وكان أن استمع مجلس إدارة البنك لنصيحة دبدوب، واتخذوا قرارهم التاريخي باستمرار العمل في العمليات المصرفية والمقاومة حتى النهاية والالتزام بكل ما على البنك وما له من حقوق لدى الغير، على أن تتم إدارة البنك من الخارج. وفي سبيل ذلك، قامت إدارة البنك التنفيذية بالتنسيق مع البنوك العالمية لتسهيل القيام بالعمليات المصرفية لخدمة عملاء البنك داخل الكويت وخارجها.
وأثناء فترة الغزو، حرص البنك على أن تتم أعماله بشكل منتظم، وصدرت بذلك الكثير من القرارات التنظيمية للفروع الداخلية، كما استمر انعقاد مجلس الإدارة بشكل دائم في لندن لضمان استمرار العمل والتنسيق بين الإدارة العليا للبنك من جهة وبين فروعه وبنك الكويت المركزي من جهة أخرى.
ويشار إلى أن الحالة الوحيدة كهذه في العالم والمقارنة الوحيدة كانت لبنك فرنسي استمر في العمل عن طريق فرعه في سويسرا أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا، ولكنه لم يكمل وما لبث أن أقفل بعد شهر واحد على الاحتلال.
10 ملايين جنيه استرليني صرفها البنك للكويتيين خلال أسبوعين من الغزو
وتكشف سجلات البنك الوطني السرية التي يتم الكشف عنها لأول مرة عن قرار تاريخي آخر لم يقم به أي بنك في العالم، وهو قرار المغفور له العم محمد الخرافي بصرف البنك لمبلغ 500 جنيه إسترليني يوميا لكل كويتي يأتي للبنك ويقول إن له حسابا، وحتى من دون أن يتثبت أن له رصيدا في البنك. وقد قام البنك خلال أسبوعين فقط من الغزو بصرف مبالغ وصلت إلى نحو 10 ملايين جنيه إسترليني.
وكان رأي الخرافي وأعضاء المجلس أن واجبنا كبنك وطني وككويتيين في المقام الأول هو أن نقف بجانب كل كويتي وأن نساعد هذه الأسر والعائلات الكويتية التي وجدت نفسها في مأزق بلا مأوى، ولا يوجد لها أي مصدر أو دخل مادي تعتمد عليه، وقد كان لهذا الموقف من البنك الوطني دور كبير في الوقوف معنويا إلى جانب أهل الكويت خلال هذه المحنة ومساعدتهم على قضاء حوائجهم خلال هذه الفترة الحرجة، ومازال الكثير من العملاء يتذكرون هذه الأيام حين كان موظفو البنك يصلون الليل بالنهار في فرع البنك في لندن من أجل خدمة أهل الكويت.
تهريب سجلات الوطني الكاملة إلى فرعه في لندن
قلة من الكويتيين يعرفون تفاصيل تلك المهمة المستحيلة التي أنجزت في الأسبوع الثاني من أغسطس 1990، حين خلع «جنود» بنك الكويت الوطني بقيادة نائب الرئيس التنفيذي للمجموعة عصام جاسم الصقر ثياب الوظيفة الأنيقة، وخاضوا غمار أخطر مهمة لتهريب السجلات الكاملة للبنك على أشرطة ممغنطة إلى خارج الكويت، كانت المهمة مزدوجة، فمن جهة كان لا بد من إبعاد المعلومات عن أنظار المحتلين، ومن جهة أخرى، كان البنك بأمس الحاجة لهذه السجلات ليتمكن من مواصلة نشاطه المصرفي كالمعتاد من فرعه في لندن. كان ذلك التزاما قلما تختبره البنوك، أن يحفظ الموظفون ما لديهم من أموال وأسرار ائتمنهم عليها العملاء والمودعون والمساهمون في غمرة الفوضى المطلقة لبلد واقع تحت الاحتلال، وكان الثمن الذي دفعه العديد من الموظفين الذين تعرضوا للأسر، ومن بينهم الصقر، كبيرا وضاغطا.
كما اتخذت في ذلك الوقت إجراءات وممارسات لوجيستية وعملية معقدة لإتمام المهمة، وتم تحت جنح الظلام إخفاء الشرائط الممغنطة في مقاعد السيارات وتهريبها إلى الخارج عن طريق البر لإيصالها إلى إبراهيم دبدوب في لندن، وخلال فترة وجيزة تمت استعادة هذه المعلومات عن نظام البنك على كمبيوتر خاص في فرع البنك في لندن. وما هي إلا أيام حتى بدأ البنك بالعمل والوفاء بالتزاماته وإدارة أمواله وأصوله. وفي مرحلة لاحقة، بدأ البنك بجمع المعلومات بشكل كلي وإعادة تأسيس السجلات الخاصة بالمعاملات مع البنوك الأخرى (الانتربنك) للنظام المصرفي ككل.
تنسيق مستمر بين الوطني والبنك المركزي خلال فترة الغزو
وفي أكتوبر 1990، وبقيادة الرئيس التنفيذي للمجموعة إبراهيم دبدوب، تم التنسيق بين بنك الكويت المركزي بقيادة الشيخ سالم عبدالعزيز الصباح وفرع البنك الوطني في لندن ليكون ممثلا له في تسوية التزامات الانتربنك لجميع البنوك الكويتية الأخرى. وكانت أصول جميع البنوك الكويتية قد تعرضت لأوامر تجميد خلال هذه الفترة، وشمل ذلك جميع الحسابات التي لدى المؤسسات الكويتية. ونجح بنك الكويت الوطني في أن يكون المصرف الوحيد على مستوى الكويت الذي يحصل على استثناء لهذه القرارات فيما يتعلق بالأصول الخاصة بالبنك، حيث اثبت البنك للمسؤولين المختصين استقلالية هذه الأصول بشكل قاطع عما يدور في الكويت في هذه الفترة وسيطرته الكاملة على إدارة هذه الأصول بشكل فعال خارج الكويت.
كما قام البنك باستخدام وتطوير آلية خاصة لدفع الفوائد بالنيابة عن البنوك الكويتية فيما يتعلق بمعاملات الانتربنك المستحقة، وكذلك جميع التحويلات الخارجية والتسوية النهائية لجميع الالتزامات المستحقة على البنوك. ومنذ الساعات الأولى من اليوم السابع عشر من يناير 1991، يوم تحرير أرض الكويت من الغاصبين، كان بنك الكويت الوطني على أتم الاستعداد للعودة بطاقم عمله الكامل لفتح أبواب البنك وفروعه المنتشرة داخل الكويت لمواصلة خدمة الاقتصاد الكويتي كما هو شأنه منذ التأسيس. ومن أهم انجازات الوطني بعد التحرير هو إسهامه في إعادة إعمار الكويت، حين قام بتدبير قرض قيمته 5.5 مليارات دولار لصالح حكومة دولة الكويت، مما كان له عظيم الأثر في إعادة إعمار ما هدمه الغزو.
دور تاريخي لمحافظ بنك انجلترا السابق
وجدير بالذكر أن عددا كبيرا من المؤسسات والبنوك العالمية قد تخلت عن البنك الوطني خلال أزمة الغزو رغم أن ودائع البنك كانت متوافرة لديها خلال تلك الفترة. إلا أن صلابة البنك ومتانته وإصرار إدارته على الكفاح والمقاومة تمكنت من التغلب على هذه الظروف. وكان من أكثر من وقف إلى جانب البنك، هو محافظ بنك انجلترا السابق إيدي جورج الذي دعم وساند البنك خلال أول أيام الغزو في لندن.
هكذا يتذكر بنك الكويت الوطني من خلال وثائقه تلك الوقائع التاريخية والأحداث التي شارك فيها البنك كعضو فاعل له بصمته الواضحة على الاقتصاد الكويتي في كل مراحله التاريخية.
تجدر الإشارة إلى أن بنك الكويت الوطني يحتفظ في أرشيفه بمجموعة قيمة من الوثائق والسجلات التي تؤرخ لفترة مهمة من تاريخ الكويت الاقتصادي والمالي منذ العام 1952، كما تؤرخ في الوقت ذاته لكبار رجالات الكويت الذين قامت على أكتافهم اللبنات الأولى لنهضة الكويت الحديثة.