Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
لماذا تركيا معنية ومتأثرة بـ «أزمة القرم» أي انعكاسات؟! أي خيارات؟!
12 ابريل 2014
المصدر : بيروت
تشعر تركيا بقلق كبير من ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، الضفة الشمالية المقابلة لها على البحر الأسود، وذات الصلة التاريخية القديمة والشائكة بها، وموضوع حربين كبريين بين الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية، ومحل علاقات حساسة بين الدولتين الحديثتين. جبهة جديدة تفتح في وجه تركيا فتزيد علاقاتها مع روسيا تعقيدا وحساسية. فتركيا معنية بأزمة القرم ومن أكثر الدول تأثرا بها لأسباب عدة مهمة:
٭ وجود أقلية مسلمة تتارية ناطقة بالتركية تشكل حوالي 14% من مجموع سكان الجزيرة، ولهذه الأقلية علاقة تاريخية وسياسية عميقة مع «أمها الحنون» تركيا. تاريخيا لعبت الوحدات التتارية في الجيش العثماني دورا مهما، وقد ساهم المثقفون منهم في تطوير اللغة التركية، لذلك لا يمكن تركيا البقاء غير مبالية بمصيرهم في الجزيرة، وعليها التعامل مع قضيتهم بأقصى قدر من الرعاية. فمسلمو القرم باتوا في مرمى مخالب الروس، وهي متخوفة من محاولة روسيا القضاء على التتار في الجزيرة إذا تسببوا في مشاكل من أي نوع لموسكو، لكن حتى الآن تحاول روسيا استرضاءهم بإرجاع ممتلكاتهم القديمة، وإذا تم هذا فسيكون أمرا جيدا، لكن حتى الآن يبقى هذا مجرد كلام فقط.
٭ تأثير أزمة القرم على العلاقات التركية الروسية، فتركيا وروسيا على طرفي النقيض في هذه المسألة، لأن تركيا بجانب المعارضين لضم الجزيرة لروسيا، وإذا مضت في هذا الخيار تعرض نفسها لخطر الاصطدام بروسيا التي توفر غالبية الغاز الطبيعي التركي، وإذا توقف هذا سيكون له تأثير سلبي على الاقتصاد التركي، خاصة أن العلاقات الاقتصادية بين الدولتين كبيرة.
٭ اشتعال الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا حول أوكرانيا من المرجح أن يجعل الأزمة السورية غير قابلة للحل وتزيد من الصداع التركي الذي تسببه هذه الأزمة، خصوصا أن روسيا تقف بصلابة وراء الرئيس بشار الأسد من أجل أن تحافظ على قاعدتها البحرية في ميناء طرطوس. وتركيا لن ترغب في أن تصبح سورية ورقة مساومة في المفاوضات بين روسيا وأميركا حول القرم، فقد تمر تركيا بصعوبات عديدة إذا لم تطبق سياساتها بشأن سورية، لذا فعلى الدولتين إبعاد مواقفهما المتباينة حول أزمة القرم كما أبعدوها بشأن الأزمة السورية، حتى لا تؤثر في المجالات الأخرى. إذا تأثرت العلاقات الروسية التركية، سيضاف عامل جديد يعقد السياسة الخارجية التركية التي تواجه المشاكل في سورية ومصر إسرائيل والعراق. كما أن المواجهة بين روسيا والغرب حول أوكرانيا ذكرت تركيا بالمنطقة المتقلبة التي توجد فيها، حيث يمكن لتطورات الأحداث أن تغير المعادلة الجيوستراتيجية بشكل غير متوقع في المنطقة.
٭ القاعدة العسكرية الروسية في القرم لا تهدف فقط لحماية المصالح الروسية في أوكرانيا وحدها، بل هي إحدى أهم فرصها للتحرك في مياه البحر الأسود والانتقال عبر المضايق التركية إلى المياه الدافئة في حوض المتوسط وإنشاء خط ربط بين هذه القاعدة وقاعدتها الموجودة في طرطوس السورية.
٭ تركيا قلقة من احتمالات التوغل العسكري الروسي في دول كأستونيا وأبخازيا وجورجيا والشيشان، أو تشكيل حلف روسي على غرار الاتحاد السوفييتي السابق. وتخشى تركيا من النفوذ الروسي المتنامي في العالم والشرق الأوسط مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى مطالبة روسيا باستعادة مضيقي البوسفور والدردنيل بعد بسط تركيا لنفوذها على تلك المضايق البحرية، وتخشى تركيا من نشر قوات روسية لاستعادة المضايق. إن الممرات المائية التي تربط بين تركيا وبلغاريا واليونان مازالت تمثل ورقة الضغط الرئيسية ضد الأتراك في حال تمدد النفوذ الروسي، خصوصا مضيق البوسفور ومضيق الدردنيل الذي يربط بين قارة آسيا وأوروبا. وقبرص مازالت، وهي جزيرة صغيرة متنازع عليها بين تركيا واليونان، تمثل تحديا كبيرا لتركيا بسبب عدم اعتراف الأمم المتحدة بالجزء التركي من الجزيرة.
وتتخوف تركيا من تعميم نظرية الدومينو السلبية، وتكرار الاستفتاءات في مناطق متنازع عليها، ومن ذلك مصير مقاطعة ناغورنو قره باخ الأرمنية، إضافة إلى ما يمكن أن يطالب به أكراد تركيا من تقرير المصير وبالحد الأدنى بالحكم الذاتي.
تعرف أنقرة أنها أمام امتحان صعب مرة أخرى، خصوصا بعدما تراجعت نظرية «العمق الاستراتيجي» التي أطلقها داود أوغلو قبل سنوات، وهي اليوم أمام مأزق آخر يريد البعض أن يحوله إلى «حفرة استراتيجية» تعد لتركيا في القرم.
لذلك هي أمام خيارات بالغة الصعوبة حيال تأزم المشهد أكثر فأكثر في الإقليم على رغم أن السيناريوهات كثيرة ومتعددة:
1- قرار تركيا عدم الاعتراف باستفتاء القرم يدخلها في معمعة العقوبات التي فرضتها أميركا وأوروبا على روسيا لا سيما حركة الأشخاص. فهل ستلتزم بها كونها من دول المحور الغربي، أم تكتفي بتسجيل موقف فقط؟
٭ هناك علاقاتها التجارية الواسعة مع روسيا التي تصل إلى 40 مليار دولار في العام الواحد وحاجتها الماسة إلى الطاقة الروسية تحديدا، فما الذي ستختاره إذا ما فشلت في الجمع بين حماية علاقاتها مع موسكو وإقناعها بالتخلي عن لغة التصعيد في الإقليم، والضغوطات الغربية بعدم التنكر للخدمات المقدمة لتركيا في أكثر من ملف وأزمة؟ وهل ستغرد خارج السرب إذا ما طالبها الأطلسي بفتح أبواب مضايقها أمام سفنه الحربية حتى ولو كانت اتفاقية «مونترو» الدولية تعطيها حق الرفض؟
٭ هناك علاقاتها مع أميركا التي حاولت إقناع الأتراك بإشراكها في استراتيجيات حوض البحر الأسود منذ سنوات فرفضت أنقرة لتجنب النقمة الروسية، لكن الصورة هذه المرة مختلفة تماما. واشنطن تريد حماية قرار التحول السياسي الأوكراني الجديد لصالح الغرب، ولن تسمح لتركيا بتهديد هذا الخيار أو تعريضه للخطر حتى ولو كان الثمن إغضاب الروس أو التخلي عن كثير من التعهدات والضمانات المقدمة حول إبقاء حوض البحر الأسود بعيدا عن أي تدخل خارجي.
2- تركيا التي أفرحها تفكك الاتحاد السوفييتي في أواخر الثمانينيات لخروجها من دائرة الخطر والتهديد الدائم والاستنفار العام للمواجهة العسكرية مع موسكو في أي لحظة، وتراجع الروس عن مطالبتهم الدائمة بتعديل اتفاقية «مونترو» لاستخدام المضايق البحرية بعد هدنة استراتيجية طويلة في حوض البحر الأسود، تدرك أنه من الصعب الاستمرار في سياسة إرضاء الجميع والانفتاح على الجميع مرة واحدة في حال تأزم الوضع أكثر فأكثر.
اليوم ترى تركيا أن الأحداث تبدو وكأنها تعيد نفسها. فحماية مواطني القرم من ذوي الإثنية الروسية أو الناطقين باللغة الروسية قد استبدل بحماية الرعايا الأرثوذكس، وتأمين منفذ على البحر الأسود لم يزل هو حلم روسيا وهدفها الاستراتيجي الأبدي. ويتعاظم قلق الأتراك اليوم بشعورهم بالمسؤولية التاريخية والجغرافية الملقاة على عاتقهم بحتمية الحفاظ على توازن القوى في البحر الأسود والمضائق التركية كونهم المؤتمنين على اتفاقية «مونترو» التي تنظم عبور السفن الحربية في البحر الأسود. ولايزال ماثلا بقوة في ذاكرة الأتراك رد الفعل الروسي بالأمس القريب عندما سمحت تركيا لسفن «الناتو» الحربية بعبور البحر الأسود بعدما غزا الروس جورجيا العام 2008. يومها سارعت موسكو إلى توقيف آلاف الشاحنات التركية على المراكز الحدودية الروسية كتذكير بسيط لكنه مؤلم بعواقب تحدي روسيا.
واليوم ليس الأمر مختلفا عن العام 2008 لناحية العصا الاقتصادية الغليظة التي يمكن لموسكو أن تلوح بها لأنقرة إذا ما حاولت تحدي التحركات الروسية في أوكرانيا.
بل لعل العصا اليوم أقوى وأكثر إيلاما كون روسيا تزود تركيا بنحو 60% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي.
كما أن الاقتصاد التركي، الذي بدأت علامات التعب تظهر عليه جراء الأزمة الاقتصادية الأوروبية والأزمة السورية والعلاقات السياسية السيئة مع العراق ومصر وغيرهما، إضافة إلى التخبط السياسي الداخلي، بات آخر ما يحتاجه اليوم هو خناق جديد مشدد وموجع من البوابة الروسية هذه المرة.
وعليه، إن أقصى ما يمكن لأنقرة فعله اليوم هو الدعم المعنوي (الخطابي) لتتار القرم الذين يبلغ عددهم حوالي 300 ألف. ومن غير المرجح أن تذهب التحركات التركية أبعد من ذلك في تحدي موسكو. فتركيا اليوم تفتقر إلى الوزن الجيوسياسي (لاسيما الاستقلال في مجال الطاقة) حتى يمكنها مواجهة الدب الروسي القادم من الشمال الشرقي خاصة مع التردد الأميركي والضعف الأوروبي والوضع الداخلي، خصوصا أن تركيا تواجه صعوبات في محاولتها موازنة روسيا في القوقاز من خلال علاقاتها مع أذربيجان وجورجيا.
هي جبهة جديدة تفتح بوجه تركيا في علاقتها المعقدة أصلا مع روسيا. جبهة لم تكن تركيا تتوقعها، ولم تكن بحاجة لها في خضم الملفات السياسية الداخلية المفتوحة على احتمالات شتى.