Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
أميركا ـ إيران في «الأزمة العراقية»: طهران تستدرج واشنطن إلى العراق والأخيرة تبتزها في الملف النووي
27 يونيو 2014
المصدر : بيروت

يبدو أنه زمن التحولات الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، أو أنه زمن إعادة رسم تحالفات جديدة وأدوار جديدة ستظهر انعكاساتها قريبا.طهران فرضت نفسها كطرف أول في المعادلة الدولية لمنطقة الشرق الأوسط، وأصبحت الدولة الأكثر أهمية بالنسبة لأميركا.وسيتعزز ذلك في المرحلة المقبلة كلما تبين أن الإرهاب بات في حاجة الى تعاون دولي إقليمي أكبر.ويعتبر الانقلاب الاستراتيجي في طبيعة العلاقة بين إيران والولايات المتحدة حيال أزمة العراق بمنزلة الزلزال الذي ستكون له آثار كبرى على كثير من السياسات والتحالفات في المنطقة. البلدان لا ينكران فرص التعاون التي يقولان إنها يمكن أن تقوم بينهما في مواجهة التقدم الذي أحرزه تنظيم «داعش» في العراق على حساب حكومة نوري المالكي.وبعد أن كانت واشنطن وطهران تؤكدان أن المحادثات الجارية بينهما في الوقت الحاضر تقتصر على الملف النووي الإيراني وحده، يمكن أن يشمل الحوار أيضا إمكان التعاون لتسوية الوضع العراقي، وربما لمواجهة أزمات أخرى في المنطقة تعتبر إيران طرفا فيها.
لقد نجحت إيران في جر باراك أوباما إلى موقع الشريك في الأزمة العراقية، وقبلها في الأزمة السورية بسبب عجز الرئيس الأميركي وشلله في مواجهة الحرب في سورية.ووجدت طهران في أزمة العراق الفرصة الذهبية من أجل استدراج واشنطن إلى تعاون مشترك معها يصل إلى مستوى التحالف الموضوعي في وجه «داعش»، وقدمت نفسها على أنها شريك وحيد لواشنطن في حربها على الإرهاب، مع الاستعداد لتقديم كل التسهيلات في حال قررت واشنطن التحرك الأمني أو العسكري، واستغلت فرصة وجود فريقها النووي المفاوض في جنيف، من أجل طرح الملف العراقي على طاولة المباحثات، وراهنت على القلق الأميركي من توسع هذه الجماعات وتهديدها للأمن والاستقرار العالميين، ما يعطي طهران حصرية الإمساك بورقة التفاهم معها على العراق، ويضمن لها عدم دخول لاعبين إقليميين يمكن ان يؤثروا على مجريات الأحداث، ويصبحون مع الوقت شركاء في حل الأزمة العراقية.ما يجري في العراق من تطورات سريعة ومفاجئة، يوسع أفق الحوار ويعمق أطر التنسيق بين إيران والولايات المتحدة.
هذا يحدث للمرة الأولى منذ 35 عاما من القطيعة الرسمية بين الطرفين، وفي عهود أربعة رؤساء دولة في إيران وستة في أميركا. هذا لا يعني بالضرورة أن ثمة علاقات حميمة مماثلة كالتي كانت قائمة بين الولايات المتحدة وإيران الشاه تنسج الآن بين البلدين، ولكن يسمح الظن بذلك، لاسيما أن ثمة مصالح حيوية هي العامل الرئيس لصوغ علاقات أفضل بين الجانبين.والآن هناك مصالح حيوية واضحة تقرب بين طهران وواشنطن بوتيرة سريعة.ويبدو من توجهات السياسة الخارجية للولايات المتحدة في المنطقة أن واشنطن باتت مقتنعة أن إيران قادرة على أن تلعب دورا وازنا في المنطقة، أمام المد المتطرف الذي يهدد مناطق واسعة من سورية والعراق، إضافة إلى ذلك هناك مصالح مشتركة بين الولايات المتحدة وإيران بالنسبة إلى مستويات إنتاج النفط في المنطقة.والعراق هو ثالث أكبر مصدر للنفط بعد السعودية وروسيا، وتعرضه لأزمات يعني دائما اضطراب الأسعار.وواضح أن أي اتفاق بين واشنطن وطهران في شأن الملف النووي سيضيف كميات كبيرة من النفط الإيراني إلى السوق بعد رفع الحظر عن إيران.
ويبدي الأميركيون انفتاحا على تحرك مع الإيرانيين في مواجهة التهديد الذي يشكله «داعش» على العراق، وقد أبدى الرئيس باراك أوباما استعدادا لتدخل عسكري محدود مشترطا أن تقوم حكومة تمثل جميع الأطراف من دون استثناء.لكن للتفاهمات حدودا، ومن السابق لأوانه الحديث عن علاقة طبيعية، ذلك أن الأمر سيقتصر في المرحلة الحالية على تعاون معلوماتي ـ أمني لمواجهة عدو مشترك.والنقاش الذي قطع الطريق على تطور محتمل في هذه المرحلة للعلاقة بين الطرفين يتعلق بالتفاهم على الحل السياسي في العراق، إذ ترى واشنطن أن مفتاح الحل يبدأ بخروج المالكي من السلطة وتأليف حكومة جديدة تضم الجميع، وبمعنى آخر يتقاسم فيها النفوذ كل من إيران والسعودية في رعاية أميركية، على أساس أن السعودية والجزء السني من العراق يرفضان رفضا قاطعا استمرار المالكي «رجل إيران» في رئاسة الحكومة العراقية.
لكن طهران ترفض في الوقت الحاضر الحديث عن أي تغيير في السلطة العراقية وخصوصا المالكي، والتخلي عنه في هذه المرحلة يعني من وجهة نظر إيرانية منح المجموعات الإرهابية جائزة تقدير لأعمالها بدل محاربتها.
من جهة أخرى، ترى طهران أن تغيير السلطة تحت الضغط سيؤدي ليس فقط الى تقاسم النفوذ في العراق، بل الى خسارات متتالية لهذا النفوذ في مستقبل بلاد الرافدين. لذلك قد لا تكون طهران مستعدة اليوم تحت ضغط الأحداث للتنازل عن المالكي الذي أعاد حشد القوى الشيعية السياسية والدينية خلف دعوته إلى مواجهة الخطر المحدق ببغداد ومدن الجنوب.
ان الشروط الأميركية على طهران قد تكون اختبارا لحسن نواياها، وإمكانية تغيير سلوكها في العراق ومنه إلى أغلب ملفات المنطقة، ورغم إرسال واشنطن تعزيزات عسكرية إلى مياه الخليج العربي، فإنها لم تتحرك باتجاه القيام بضربة لتجمعات «داعش» في العراق، وربطت تحركها العسكري الفاعل بعدم مشاركة إيران عسكريا تحت أي شكل من الأشكال، بينما كان شرطها التعجيزي هو ربطها أي تحرك عسكري بحل سياسي يقوم أساسا على تشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها مختلف أطياف الشعب العراقي، ما يعني احتمالا قويا باستبعاد نوري المالكي عن رئاستها، وهذا مطلب عراقي شيعي سني وعربي إقليمي ترفضه طهران.إن الطرفين في حاجة الى تبادل المعلومات ولكليهما مصلحة في وقف تمدد المجموعات الإرهابية، لكن الخلاف السياسي على طبيعة السلطة في العراق يبقى عائقا أمام تطور العلاقة بين واشنطن وطهران ومن المؤكد أن يكون له انعكاس على النقاش النووي. فالارتباك السياسي الداخلي والإقليمي واضح على القيادات الإيرانية، لاسيما أمام اقتراب موعد 20 يوليو في المفاوضات النووية.قد تكون مفاجأة الزلزال العراقي أسوأ تطور بالنسبة إلى إيران، لأنها كانت تفاوض نوويا من موقع القوة، وباتت بعد زلزال العراق تفاوض وهي مرتبكة ومن موقع هش.
الولايات المتحدة ستستفيد من إيران أضعف في العراق وسورية لتحصل على ما تريده في مفاوضات الملف النووي.وإيران تفصل الاتفاق النووي عن سائر ملفات المنطقة ولكنها تتطلع بعد التوصل الى اتفاق نهائي قبل 20 يوليو المقبل للانتقال منه الى التفاوض على ملفات المنطقة، أي التفاوض على «دور إيران الإقليمي».
أما في العراق، فالولايات المتحدة لن تتمكن من التحالف مع إيران في مواجهة «داعش» و«القاعدة» إلا على أساس سياسي، لأن القضاء عليهما لن يأتي سوى عن طريق «صحوات» سنية وليس عن طريق استفزاز السنة وتهميشهم. فإذا قرر تيار «الحرس الثوري» أن هذه معركته، فلن تتخلى إيران عن المالكي ولن تتراجع أمام الانتفاضة السنية. أما إذا انتصر تيار حسن روحاني واتخذت إيران قرار استبدال المالكي إنقاذا للمفاوضات النووية، التي تؤدي إلى رفع العقوبات تدريجا عن إيران وترسم مسارا تهادنيا رسميا مع الولايات المتحدة، عندئذ قد تبرز خريطة طريق جديدة للعراق أساسها الأقاليم وليس التقسيم.
كل شيء وارد في هذه الحقبة من مسيرة التغيير في المنطقة العربية وفي الجمهورية الإسلامية الإيرانية. الأرجح ألا تتعطل المفاوضات النووية.فقد اتخذ قرار إيراني بإنجاحها لأن إيران قررت الخروج من عصر العزلة والعقوبات، ولأنها لن تجد أفضل من أوباما رئيسا أميركيا للاتفاق معه.كما تم اتخاذ قرار أميركي بإنجاح تلك المفاوضات لأن باراك أوباما يريد للاتفاق أن يتوج مسيرته التاريخية، ولأنه سيكون محاصرا بانتخابات الكونغرس النصفية بعد أشهر.