Note: English translation is not 100% accurate
هل ينطلق «الشرق الأوسط الجديد» من كردستان العراق؟
14 أغسطس 2014
المصدر : الأنباء

الأكراد استثمروا الأحداث العراقية وضموا كركوك إلى كردستان ولن تعود مدينة متنازعا عليها بين بغداد وأربيلشاءت المصادفة التاريخية أن تكون كردستان العراق محور الاهتمام الدولي هذه الأيام. فقد تحولت الى الحاجز الأخير في وجه تقدم مقاتلي الدولة الإسلامية (داعش) في شمال العراق، وإلى ملجأ وملاذ لمئات الآلاف من الأقليات المسيحية والأيزيدية التي أنزلت فيها «داعش» قتلا وتنكيلا.. وأربيل العاصمة التي اشتهرت بعد العام 2003 بأنها مدينة السياحة والمال والأعمال، أصبحت مدينة النازحين وامتلأت حدائقها العامة بالمهجرين.
الأميركيون والأوروبيون في حاجة إلى الأكراد لأنهم علمانيون منفتحون ومؤيدون للغرب، وفي الوقت نفسه لديهم علاقات وثيقة مع إيران وتركيا.. ولأنهم يشكلون قاعدة يمكن أن تكون منطلقا للعمليات الأميركية لمحاربة إرهاب «داعش» التي سيمكنها التحرك بسهولة أكبر بين سورية والعراق في حال تحولت كردستان الى كيان ضعيف وغير مستقر.من هنا يمكن فهم الاستنفار الأميركي الفرنسي لتسليح البشمركة الكردية بصورة عاجلة وعلى وقع الضربات الجوية الأميركية، التي وإن جاءت محدودة فإنها حدت من اندفاعة «داعش» وكانت كافية لرسم خط أحمر حول كردستان. وهذا المنحى الجديد للتطورات على المستوى العسكري والدعم الدولي، وكذلك على المستوى السياسي مع إزاحة نوري المالكي وتعويم التحالف الشيعي الكردي، يمكن أن يدفع بالقيادة الكردية الى مراجعة خياراتها وتجميد اندفاعتها باتجاه مشروع الانفصال والدولة المستقلة، والانخراط مجددا في العملية السياسية على أسس جديدة، ولكن بالتأكيد ليس على أساس العودة الى وضع ما قبل 10 يونيو يوم سقوط الموصل وتمدد «داعش». كركوك على سبيل المثال جرى ضمها الى كردستان وقضي أمرها ولن تعود مدينة متنازعا عليها بين بغداد وأربيل.
«دولة كردستان» حلم يراود الأكراد في المنطقة عموما وفي العراق خصوصا منذ عشرات السنين، على أن تشكل كردستان العراق النواة الصلبة لهذه الدولة ومركز الجذب والاستقطاب للاعبين الأكراد الموزعين بين تركيا وإيران وسورية. ولطالما اصطدم هذا «المشروع الحلم» الكردي بالواقع الصعب وباتفاق هذه الدول الـ 3 على محاربة الدولة الكردية حتى وهي مجرد فكرة ومشروع لأنها ستكون دولة عابرة للحدود وستقتطع من هذه الدول مناطق حدودية واسعة، وستكون سببا في زعزعة استقرار المنطقة.
شكل الاحتلال الأميركي للعراق بدءا من العام 2003 أول نقطة تحول واقعي ومهم في المشروع السياسي للأكراد الذين كان لهم دور أساسي في معادلة العراق الجديد، عبر تحالف غير مسبوق مع الشيعة ساهم في إرسائه والتشجيع عليه الأميركيون والإيرانيون وشكل قوة مرجحة في الصراع الداخلي العراقي الذي أخذ، في فترة الاحتلال الأميركي طابعا مذهبيا شيعيا سنيا. وقد استفاد الأكراد في شمال العراق طيلة فترة الاحتلال الأميركي لترسيخ دعائم «إقليمهم» وممارسة ما هو «أكثر من حكم ذاتي وأقل من حكم مستقل»، ونجحوا في أن يجعلوا من تجربة إقليم كردستان العراق تجربة ناجحة بكل المقاييس، بحيث بدا مثل «واحة في صحراء». وبينما كان العراق يغرق في فوضى الاقتتال والعنف، كان الإقليم الكردي ينعم باستقرار أمني ورخاء اقتصادي وتحول بالفعل الى مركز جذب للاستثمارات خصوصا في قطاعات النفط والسياحة والاتصالات. وبعد الانسحاب الأميركي حاول الأكراد إكمال ما بدأوا به وأرادوا تكريس مكتسباتهم وتشريعها عبر وضع المادة 140 من الدستور التي تتعلق بوضعية المناطق المتنازع عليها بين أربيل وبغداد موضع التنفيذ، ما يعني وضع مدينة كركوك الغنية بالنفط تحت السيطرة الكردية، وعبر مزيد من الإجراءات «الاستقلالية» وفي مقدمها تصدير وبيع نفط كردستان مباشرة الى الخارج عبر تركيا ومن دون المرور بالمركز والحكومة في بغداد. ولكن توجهات وطموحات الأكراد اصطدمت بحكومة المالكي التي أحكمت قبضتها على السلطة المركزية وتحولت في اتجاه الحد في النزعة «الاستقلالية» لدى كردستان واستيعاب طموحاتها الزائدة وتطويعها.
واتخذ هذا التباين بين أربيل وبغداد طابعا حادا وتصادميا مع غياب «ضابط الإيقاع» الأميركي، وبعد تدهور العلاقة بين رئيس حكومة بغداد نوري المالكي ورئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني الذي نقل الى المسؤولين الأميركيين في الأشهر الأخيرة خيبته من المالكي وقناعته بأن العلاقة معه وصلت الى طريق مسدود وتخوفه من ضياع المكتسبات والإنجازات التي حصل عليها الأكراد بسبب سياسة المالكي التوسعية.
كان البارزاني أعطى قبل الأحداث إشارات كافية الى أن التحالف بين أربيل وبغداد آخذ في التآكل والتفكك، وجاءت الأحداث لتثبت أن هذا التحالف انتهى على أرض الواقع وأن الأكراد تحولوا الى حسابات جديدة والى تموضع جديد تحت عنوان «الحياد» بين طرفي النزاع، حكومة المالكي وتنظيم «داعش» (قبل أن تقرر «داعش» الانعطاف نحو المناطق الكردية وتفتح جبهة مع الأكراد الذين وجدوا أنفسهم في خضم معركة مفروضة عليهم لم يختاروا توقيتها ومسرحها ولم يكونوا جاهزين لها). وهذا الموقف أرفق بوضع الأكراد يدهم على كركوك وإلحاقها كأمر واقع بكردستان واعتبارها جزءا لا يتجزأ منها. وهذا الإجراء جاء مكملا لإجراء آخر تمثل في تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي الى إسرائيل التي تربطها علاقات وصلات مع كردستان في مجالات كثيرة عسكرية واستخباراتية واقتصادية، والتي كانت السباقة الى تأييد الدولة الكردية المستقلة والتشجيع على موقف أميركي مساند لها مع أن إدارة أوباما أظهرت تحفظا واعتراضا على إعلان الدولة الكردية لأنها ستساهم في تعقيد وتفجير الوضع أكثر في العراق والمنطقة.أبدى البارزاني تصميما على المضي قدما بخيار الانفصال وإعلان كردستان دولة مستقلة، معتبرا ان اللحظة التاريخية التي طال انتظارها قد أتت، وأن الفرصة السانحة الآن في ظل الفوضى العراقية والارتباك الإقليمي والانشغال الدولي هي فرصة نادرة ينبغي اقتناصها من دون تردد وتأخير، وإذا لم يحصل ذلك فإنها ستضيع ولن يكون بالإمكان تعويضها لسنوات وعقود. وتلقت حكومة أربيل بالمقابل نصائح وتحذيرات إقليمية ودولية بعدم الانزلاق الى مشروع الانفصال والدولة المستقلة التي سيسهل ضربها وعزلها، والاكتفاء بترسيخ الإقليم الكردي في إطار «عراق فيدرالي» يكون موزعا الى 3 أقاليم كبيرة: إقليم شيعي في الجنوب وإقليمي سني في الوسط وإقليم كردي في الشمال.
خصوصا ان الأحداث الجارية حاليا أطاحت بالوضع في العراق وأنهت ما سمي «عراق المالكي» وجعلت ان العودة الى الوضع السابق لم تعد ممكنة، ومن مصلحة الأكراد الاستفادة من هذه التطورات لا للدفع في اتجاه دولة ممنوعة ومستحيلة وإنما لتثبيت ما أخذوه وتحصيل مكاسب جديدة، خصوصا تحصيل الاعتراف بكركوك جزءا من كردستان والحصول على هامش أوسع في القرار والحركة في إطار النظام اللامركزي.
مهما كان من أمر، فإن انفصال الأكراد عن العراق إذا حدث سيكون إيذانا بدخول المنطقة برمتها إلى مرحلة جديدة معقدة سمتها التقسيم والعنف والحروب، والأكراد يقفون عند مفترق طرق مصيري وفي لحظة تاريخية: إما أن يستغلوا ما يحدث للانفصال وإعلان دولتهم المستقلة عن العراق. وإما أن يبقوا في إطار العراق ويساهموا كمكون أساسي من مكوناته في رسم مستقبله وتأكيد خصوصيته، وهذا هو الأرجح والأكثر واقعية. الأنظار تتجه الى كردستان العراق كمؤشر الى مستقبل العراق والمنطقة، ليس فقط على صعيد المعركة المفتوحة مع «داعش» وإنما أيضا على صعيد الخارطة الجغرافية السياسية الإقليمية. فإذا بقيت كردستان إقليما ضمن عراق فيدرالي شيء، وإذا أصبحت دولة مستقلة منفصلة عن بغداد والسلطة المركزية شيء آخر. في الحالة الأولى سيكون هذا مؤشرا الى تغييرات داخل الدول وتغييرات في طبيعة الأنظمة من مركزية الى لامركزية أو فيدرالية. وفي الحالة الثانية سيكون هذا مؤشرا الى تغييرات بين الدول وفي حدودها وباتجاه تقسيم المنطقة ونشوء دويلات على أساس ديني طائفي أو عرقي إثني.
إذا كان تحرك تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتمدده العابر للحدود داخل العراق وإعلانه الدولة الإسلامية وما يمكن تسميته «أفغانستان عربية» أو «داعشستان» هو الذي طغى على المشهد العراقي وكان عنوان الأحداث والتطورات الدراماتيكية، فإن الوجه الآخر لهذه الأحداث والذي لا يقل أهمية، تمثل في تحرك أكراد العراق وإعلانهم نية الانفصال عن بغداد وتحويل كردستان من إقليم فيدرالي الى دولة مستقلة. وهذا التطور لا ينبئ فقط بتحول جذري في خارطة العراق ومستقبله ككيان ونظام، وإنما يشي بتغيير في خارطة المنطقة الجيوسياسية هو الثاني من حيث الأهمية والحجم منذ 100 عام.فدولة كردستان في حال قيامها ستكون التغيير الثاني المهم في منطقة الشرق الأوسط بعد دولة إسرائيل وستطلق إشارة البدء لـ «شرق أوسط جديد» يختلف عن «شرق أوسط سايكس ـ بيكو».