Note: English translation is not 100% accurate
تأملات في سورة النحل (4 ـ 5)
11 ديسمبر 2015
المصدر : الأنباء
(وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ـ النحل: 35)
يخبر الله تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الإشراك واعتذارهم محتجين بالقدر بقولهم (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء) أي من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك، مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم ما لم ينزل به سطانا، ومضمون كلامهم أنه لو كان تعالى كارها لما فعلنا لأنكره علينا بالعقوبة ولما أمكننا منه، قال تعالى رادا عليهم شبهتهم (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) أي ليس الأمر كما تزعمون أنه لم ينكره عليكم، بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أمة في كل قرن وطائفة من الناس رسولا، فلم يزل الله تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوحا، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب.
(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء)؟ فمشيئته تعالى الشرعية عنهم منفية لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية وهي تمكينهم من ذلك قدرا فلا حجة لهم فيها، لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة، ثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل، فلهذا قال (فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) أي اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق، كيف (دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها)، فقال (ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير)، ثم أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم، إذا كان الله قد أراد إضلالهم، كقوله تعالى: (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا)، وقال نوح لقومه (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم)، وقال في هذه الآية الكريمة (إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل)، كما قال الله تعالى (من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون)، وقوله (فإن الله) أي شأنه وأمره، (لا يهدي من يضل) أي من أضله، فمن ذا الذي يهديه من بعد الله؟ أي لا أحد (وما لهم من ناصرين) أي ينقذونه من عذابه ووثاقه (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين).