بقلم: أ.د.وليد محمد عبدالله العلي استاذ الشريعة والدراسات الاسلامية بجامعة الكويت وإمام وخطيب المسجد الكبير بدولة الكويت
[email protected]
إن مدار الدين على قواعد أربع، وهي: الحب والبغض، والعطاء والمنع، فمن كانت هذه كلها لله تعالى: فقد استكمل الإيمان، وما نقص شيء منها: إلا عاد بالنقص على إيمان العبد.
وإن قرة عيون المحبين في هذه الدنيا: هي الصلاة، لما فيها من مناجاة الله تعالى، الذي لا تقر العيون ولا تطمئن القلوب ولا تسكن النفوس إلا بكمال حبه والتذلل له، لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا بلال، أرحنا بالصلاة».
فالمحب راحته وقرة عينه في الصلاة، والغافل المعرض ليس له نصيب من ذلك، بل الصلاة كبيرة شاقة عليه، إذا قام فيها: كأنه على الجمر، حتى يتخلص منها، فأحب الصلاة إلى هذا: أعجلها وأسرعها، فإنه ليس له فيها: قرة عين، ولا راحة قلب، لأن العبد إذا قرت عينه بشيء، واستراح قلبه به: أشق ما عليه مفارقته، والمتكلف الفارغ القلب من الله تعالى والدار الآخرة، المبتلى بمحبة الدنيا: أشق ما عليه الصلاة، وأكره ما إليه طولها، مع ما هو فيه من: الصحة، والفراغ!
والصلاة إنما تكون قرة عين وراحة قلب: إذا جمعت ستة مشاهد: مشهد الإخلاص لله تعالى، ومشهد الصدق والنصح في إقباله على الرب تبارك وتعالى، ومشهد المتابعة والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومشهد الإحسان، ومشهد منة الله سبحانه، ومشهد التقصير في حق الله سبحانه.
فينبغي أن يكون الحامل على إقامة الصلاة والداعي إليها: رغبة العبد في الله تعالى، ومحبته له وطلب مرضاته والقرب منه والتودد إليه وامتثال أمره، بحيث لا يكون الباعث له عليها حظا من حظوظ الدنيا ألبتة، بل يأتي بها ابتغاء وجه ربه الأعلى، محبة له وخوفا من عذابه، ورجاء لمغفرته وثوابه.
وأن يفرغ العبد قلبه لله تعالى في صلاته، ويستفرغ جهده في إقباله فيها على ربه تبارك وتعالى، فيجمع قلبه عليها، ويوقعها على أحسن الوجوه وأكملها - ظاهرا وباطنا - فإن الصلاة لها ظاهر وباطن، فظاهرها: الأفعال المشاهدة، والأقوال المسموعة، وباطنها: الخشوع والمراقبة وتفريغ القلب لله تعالى والإقبال بكليته على الرب سبحانه فيها، بحيث لا يلتفت قلبه عنه إلى غيره، فهذا بمنزلة الروح لها، والأفعال بمنزلة البدن، فإذا خلت الصلاة من ذلك: كانت كبدن لا روح فيه! أفلا يستحي العبد أن يواجه سيده بمثل ذلك؟ ولهذا تلف هذه الصلاة كما يلف الثوب الخلق البالي، ويضرب بها وجه صاحبها، وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، وهذا بخلاف الصلاة التي كمل العبد ظاهرها وباطنها، فإنها تصعد ولها نور وبرهان، كنور الشمس، حتى تعرض على الله تعالى فيرضاها برحمته، ويقبلها بفضله، وتقول: حفظك الله كما حفظتني.