ربما حان الوقت الآن للتساؤل حول ما الذي سيفعله الرئيس أوباما عندما يصبح لقبه «الرئيس السابق» بعد انتهاء انتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر المقبل؟
الحقيقة ان أوباما لايزال شابا نسبيا، فحينما يخرج من البيت الأبيض فسيكون عمره أكبر سنة واحدة من عمر نظيره السابق الرئيس بيل كلينتون عندما خرج هو الآخر من هذا البيت.
بل انه، وبالإضافة إلى رئاسته التي كانت تاريخية لأنه ليس من الرؤساء الأميركيين البيض، لايزال أوباما يتمتع بشعبية نسبية أيضا، وعلى وشك أن يتوافر له الكثير من الوقت للقيام بما يريد خاصة ان هناك الكثير من المسائل غير المنتهية بالنسبة إليه على الرغم من قضائه 8 سنوات في منصب الرئاسة.
وفي هذا الإطار، يقول تقرير لـ «يو اس توداي» إن الرئيس خطط منذ بعض الوقت لما هو قادم مستقبلا، فقد ألمح مرة إلى ما يطمح الى القيام به من أعمال بعد انتهاء فترة رئاسته مثل متابعة إصلاح قضية العدالة الجنائية، العلاقة بين الأعراق، السيطرة على عملية انتشار السلاح في المجتمع ومنع انتشار الأسلحة النووية.
ويود أوباما باختصار: «العودة لتنظيم المجتمع والقيام بالأعمال التي كنت أفعلها من قبل مثل محاولة إيجاد السبل المناسبة لمساعدة الناس والوقوف بجانب الشباب في مجال الحصول على التعليم والعمل».
وفي هذا السياق، يلاحظ مارك أبديغروف مؤلف كتاب «حياة الرؤساء وإرثهم بعد خروجهم من البيت الأبيض» ان الشيء الرائع في كون الشخص رئيسا سابقا هو احتفاظه بهيبة منصبه بعد فقدانه سلطته الرسمية. ويتوقع ابديغروف ان يكون أوباما ناشطا على غرار الرئيسين السابقين بيل كلينتون وجيمي كارتر.
لكن لم يكن هذا خيار كل الرؤساء السابقين، إذ ان جورج واشنطن عاد إلى ماونت فيرنون بعد إلقائه خطابا وداعيا اعرب فيه عن سعادته في العودة للتمتع بكونه مواطنا عاديا.
وفيما اتجه الرئيس جيرالد فورد لممارسة لعبة الغولف، تحول نظيره جورج دبليو بوش للرسم. أما رونالد ريغان الذي كان اكبر رئيس يغادر البيت الأبيض من ناحية العمر عن 77 عاما، فقد غاب عن الأنظار نتيجة لإصابته بمرض الزهايمر.
غير أن أوباما الشاب نسبيا (55 سنة)، يتمتع بصفات تؤهله لمتابعة عمله كناشط في المسائل التي يحبها، فقد كان مؤلفا معترفا به حتى قبل ان يصبح رئيسا، وبما أنه أول رئيس أميركي أسود البشرة يحتل الآن مكانا فريدا في التاريخ الأميركي. وهو أيضا أول رئيس منذ حوالي قرن يعتزم البقاء في واشنطن بعد انتهاء ولايته حيث من المتوقع أن يمكث بها سنتين على الأقل، وهذا ما يجعله لا يبتعد عن الأضواء.
كونك رئيساً سابقاً هو وظيفة بحد ذاته
في عام 1958 أصدر الكونغرس قانون «الرؤساء السابقين»، من أجل المحافظة على منزلة منصب الرئاسة وكي لا يضطر الرؤساء السابقين للبحث عن عمل غير لائق بهم بدافع الحاجة. لذا تدفع الحكومة الأميركية اليوم للرئيس السابق مرتبا يصل إلى (205.700) دولار في السنة بالإضافة لمكاسب صحية وحماية سرية دائمة على مدار الساعة.
كما يوفر القانون للرؤساء السابقين مكتبا وهيئة موظفين ومصاريف يومية، فالرئيس جورج بوش على سبيل المثال تلقى بدلا ماديا بلغ حوالي 1.1 مليون دولار عام 2015، وفقا لبيانات إدارة الخدمات العامة، بيد أن الكونغرس اصدر هذا الشهر مشروع قانون يقضي بتقليص مثل هذه النفقات، واستخدم أوباما ضده حق النقض قبل حوالي أسبوع.
بل ومن حق الرؤساء السابقين الاطلاع على الأخبار السرية، وغالبا يتم استدعاؤهم من اجل تقديم النصح لخلفائهم.
ومن الملاحظ أيضا ان الرؤساء السابقين ينشغلون بتأسيس مكتبات رئاسية، ويجمعون الأموال من أجل مؤسساتهم مثلما فعل الرئيس السابق جيمي كارتر (الأمراض والسلام العالمي) والرئيس كلينتون في مبادرته الخاصة بـ (المناخ، التطور والصحة).
والواقع ان هذا الدور تطور على نحو كبير منذ ان اصدر الكونغرس قانون الرؤساء السابقين بعد ان اشتكى الرئيس المعدم هاري ترومان من انه لا يمتلك ما يكفي من مال حتى للرد على الرسائل الكثيرة التي يتلقاها.
بيد ان الرؤساء السابقين يمتلكون اليوم الكثير من السبل للاستفادة من شهرتهم في كسب الملايين إذ كتب معظمهم، منذ أيام الرئيس كالفين كوليدج، مذكراتهم، وحقق عددا كبيرا منهم افضل المبيعات حديثا، فالرئيس بيل كلينتون حصل على مبلغ قياسي مقدما بلغ 15 مليون دولار لقاء كتابه الذي أصدره بعنوان «حياتي» عام 2004.
وكسب الرئيس أوباما منذ عام 2005 اكثر من 15.6 مليون دولار مقابل كتبه الثلاثة الأولى «أحلام أبي»، «آمال جريئة» وكتاب للأطفال «من أجلك أغني».
كما أن أوباما مرتبط الآن بعقد لتأليف كتاب غير روائي يتحدث فيه عن انتخابه رئيسا، وتوصل الى اتفاق مع دار «راندوم» للنشر لإصدار الكتاب قبل انتهاء ولايته.
وألمح إلى أنه قد يقوم بأعمال تقليدية فقد قال مازحا: «خلال حوالي ستة أشهر سوف أكون في سوق العمل». وهنا يمكن القول إن أوباما ربما يقوم بدور أستاذ القانون فقد علم سابقا القانون قبل أن يصبح رئيسا، وأشار إلى أنه يحب العودة الى هذا العمل وأنه يشتاق الى صفوف التدريس والتعامل مع الطلاب بل ربما يعود للعمل أيضا في نادي «أن بيه أيه» فلدى سؤاله حول الدور الذي يحبه أكثر من أي شيء آخر، قال: حسنا، أعتقد أني ملائم تماما لرياضة كرة السلة لكنني لا أصدق أن مسؤول النادي يتقاضى 44 مليون دولار في السنة، غير أنه ما لبث أن قال إن هذه مسألة افتراضية على أي حال.
لكن يبدو أن هناك بعض الأعمال التي يستبعد أوباما القيام بها. فعندما أعربت مرشحة الرئاسة الأميركية هيلاري كلينتون في ولاية أيوا العام الماضي عن اعتقادها أن أوباما سيكون قاضيا رائعا في المحكمة العليا، وأنها سوف تفكر في ترشيحه لهذا المنصب إذا ما تم انتخابها، لم يبد أوباما تحمسا وأبلغ صحيفة «نيويوركر» قائلا: أعتقد أن عمل القاضي يتسم بشيء من الرهبانية بالنسبة لي.
وعندما سألته الإعلامية باربارا والترز، في عام 2013 فيما إذا كان يحب الاستمرار في السياسة، قاطعتها زوجته ميشيل بالقول (لا) على نحو قاطع. وبدوره، أردف أوباما قائلا: أعتقد أنني خضت مثل هذا العمل من قبل خلال حملتي الانتخابية للرئاسة، ولا أحبذ بالتالي تولي منصب آخر يعتمد على الانتخاب، لكن لو سألتني ما إذا كنت سأستمر في متابعة القضايا التي كنت أعمل بها من قبل سأقول عندئذ طبعا بالضبط.
يقول المؤرخ كودي فوستر من جامعة «كنتاكي»: إن مرحلة ما بعد الرئاسة ترتبط إلى حد كبير بعملية بناء الإرث، فبصرف النظر عما إذا كانت فترة الرئاسة جيدة أو سيئة فإن مرحلة ما بعد الرئاسة تجعلك تجاهد لكي تبني إرثا للأجيال المقبلة.
تعريب: N.Z