الداعية خالد الخراز
الاعتصام بالكتاب والسنة أصل عظيم من أصول الإسلام، والتمسك بهما سبب رئيسي في النجاة من الفتن كلها.
والدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة قد جاءت مقررة في القرآن بأساليب الترغيب، قال تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا. فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما) النساء: ١٧٤ و١٧٥.
وقال سبحانه: (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم) الزخرف: 43.
وقال عز وجل: (واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) الحج: 78.
وقــال سبحانـه: (واعتصمـوا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) آل عمران: 103.
وهذه الآيات كثيرة في القرآن، تدلنا على وجوب الاعتصام بالله تعالى، وكذلك جاءت أدلة السنة على هذا النحو أيضا، فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» رواه أبو داود (4607) بسند صحيح.
وفي الحديث الآخر الصحيح: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» رواه الحاكم (192/1).
قال ابن قيـم الجوزيـة في «مـدارج الســالكين» (1/ 458): «ومدار السعادة الدنيوية والأخروية: على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين.
فأما الاعتصام بحبله: فإنه يعصم من الضلالة، والاعتصام به: يعصم من الهلكة، فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده، فهو محتاج إلى هداية الطريق، والسلامة فيها، فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له، فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة، وأن يهديه الى الطريق، والعدة والقوة والسلاح التي بها تحصل له السلامة من قطّاع الطريق وآفاتها.
فالاعتصام بحبل الله يوجب له الهداية واتباع الدليل، والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح والمادة التي يستلئم بها في طريقه».
وقال ابن القيم كذلك (1 /459): «وأما الاعتصام به: فهو التوكل عليه، والامتناع به، والاحتماء به وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه، ويعصمه ويدفع عنه، فإن ثمرة الاعتصام به: هو الدفع عن العبد، والله يدافع عن الذين آمنوا، فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كل سبب يفضي به الى العطب، ويحميه منه، فيدفع عنه الشبهات والشهوات، وكيد عدوه الظاهر والباطن، وشر نفسه، ويدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها، بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه، فتفقد في حقه أسباب العطب، فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها».
والأمر بالاعتصام يقابله النهي عن التفرق، وقد أكد المفسرون أن النهي عن التفرق جزء أساسي من معنى الآية، فهم يجمعون على ذلك النهي في تفسير قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) آل عمران: 103.
إذ يقولون ما يفيد بالمجمل أن الله تعالى أمر المؤمنين بالتزام الجماعة، ونهاهم عن التفرق الذي هو سبب الضعف وذهاب القوة.