بيروت - بولين فاضل
الى الضوء عادت فجأة منى مرعشلي ولكن من بوابة الموت المفاجئ.
هي قساوة القدر التي جعلت من غنت فيما مضى «يا شمس عمري غيبي» تغيب عن عمر يناهز الـ 58 عاما، فيخرج اسمها من الغياب الى مواقع التواصل الاجتماعي ويتصدر هاشتاغ #منى_مرعشلي قائمة الـ «تراندز» على «تويتر».
جملة مفارقات قدرية سبقت الغياب، فقبل أيام معدودة كرّم مسرح «مترو المدينة» في بيروت منى مرعشلي باستحضار أغنياتها على المسرح من قبل فرقة شابة. مفارقة أخرى هي استذكار مرعشلي على هواء إذاعة لبنانية قبل نحو شهر في سياق فقرة تضيء على أصوات حفرت حضورها في سجل ذهبي، فكانت مداخلة عبر الهاتف للراحلة ربطت خلالها غيابها عن الساحة الغنائية بمرض والدتها ومن ثم رحيلها، وقالت انها قد تعود الى الغناء بعد فترة لكن يصعب عليها الغناء ووالدتها ليست هنا وأضافت: «كيف بدي غنّي والماما مش موجودة؟ راح تنزل دموعي من دون ما حِس». ولعل صاحبة أغنية «لك شوق عندنا» اشتاقت الى والدتها فلاقتها في المقلب الآخر واختارت الرحيل المبكر.
كان لاحقا أن تؤكد منى مرعشلي في الاتصال الهاتفي ان صحتها جيدة وانها خسرت 59 كيلوغراما من وزنها ليأتي سريعا جواب القدر على شكل نوبة قلبية حادة جعلتها تنام في سبات عميق ولا يعلم بوفاتها شقيقها الاكبر الذي غادر في الصباح الى عمله ولم يتفقدها على اعتبار أنها نائمة قبل أن يمر الوقت ولا تستجيب لاتصالات بنات شقيقتها ليكتشف الجميع لاحقا الفاجعة.
مرعشلي التي كانت خضعت قبل أيام لجراحة استئصال المرارة وخرجت من المستشفى في صحة جيدة وفق ما أظهرت الفحوص الطبية ما لبثت أن عادت الى المستشفى بعد اضطرابات حادة في المعدة لتمكث فيه نحو خمسة أيام وتغادره ولم يمر يوم على عودتها الى منزلها حتى نامت ولم تستيقظ، وقد رجح الطبيب الشرعي أن يكون التقيؤ الحاد والمستمر الذي تعرضت له قد أجهد قلبها فتسبب بذبحة قلبية حادة أودت بحياتها.
منى مرعشلي التي اختار الموت مباغتتها عُرِفَ القليل عن أسباب اعتزالها الفن وقيل إنها ارتدت الحجاب وقيل العكس، لكن الاكيد ان الحرب التي عصفت بلبنان منتصف السبعينيات أطاحت بأحلام منى مرعشلي وأحبطت عزيمتها، لاسيما أنها اختارت عدم الذهاب الى مصر من أجل البقاء الى جانب والدتها ورعايتها.
سيد مكاوي، بليغ حمدي، فاروق سلامة، وكثيرون آخرون من العمالقة دعوها الى مصر للاعتناء بصوتها فهي التي وصفها مكاوي بالموهبة الخطيرة التي يجب أن تأتي الى القاهرة «علشان نسمعها كويس ونقدم لها حاجة كبيرة تليق بها»، أما بليغ حمدي فأكد استعداده للتفرغ الفوري لها، فيما وصفها الموسيقار محمد سلطان بأنها من طينة الكبار وتحتاج الى رعاية خاصة من جانب المخضرمين.
منى مرعشلي التي عرفت انطلاقتها في برنامج «استديو الفن»، في عام 1973 الى جانب أسماء أضحت نجوما مثل ماجدة الرومي ووليد توفيق وغسان صليبا، لم تحظ من جهتها بالفرصة المناسبة أو ربما افتقرت الى ادارة الاعمال أو شركة الانتاج الكبرى لاحتضان صوتها الذي وصف بكوكب لبنان وهي الكلثومية الهوى التي تأثر أداؤها بكوكب الشرق منذ صغرها فغنت لها وهي ابنة ثماني سنوات على مسرح المدرسة أغنية «أمل حياتي» ورغم عشقها للفن المصري الاصيل، وازى نتاجها من الاغنيات على قلته (19 أغنية) بين اللبناني والمصري، فغنت لعاصي الرحباني «سافر يا حمام»، ولمنصور الرحباني «مالي ومالك يا هوى» ولزياد الرحباني «اتركني انساني»، ولفيلمون وهبي «ياما وياما» و«بتكتبني وبتمحيني» كما غنت من ألحان نور الملاح رائعتيها «شمس المغارب» و«سألت كل مسافر».
منى مرعشلي سافرت بصمت «ومن غير ما تودع» على حد ما تقوله أغنيتها، وبنتاجها القليل تركت كبير الاثر وإذا كانت غنت «اتركني انساني اسمي»، فإن اسمها لن يدخل النسيان وإنما ذاكرة الفن الجميل.