إن مجاهدة النفس على العمل بمقتضى شهادة (لا إله إلا الله) هي التي تحفظ العبد وتعصمه في جميع شؤون هذه الحياة.
فأروني هذا المعتبر، بقصة هؤلاء النفر الظانين أن قد أدركهم الموت المنتظر، فأحاطت بهم (لا إله إلا الله) التي اتخذوها منهج حياة لتنجيهم من الضرر.
فعن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أخذهم المطر، فأووا إلى غار في جبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فسدت عليهم الغار، فقال بعضهم لبعض: انظروا أفضل أعمال عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها لعل الله يفرجها عنكم.
فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي امرأتي وصبية صغار أرعى عليهم، فإذا أرحت عليهم حلبت فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل بني، وإنه نأى بي ذات يوم الشجر، فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أسقي الصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة نرى منها السماء، ففرج الله منها فرجة فرأوا منها السماء.
وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء، وطلبت إليها نفسها فأبت، حتى ألمَّت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها مائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، فلما وقعت بين رجليها قالت: يا عبدالله، اتق الله، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها، وهي أحب الناس إليّ، وتركت الذهب الذي أعطيتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة، ففرج عنهم الثلثين.
وقال الآخر: اللهم اني استأجرت أجراء، فأعطيتهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمّرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبدالله أدّ إليّ أجري.
فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبدالله، لا تستهزئ بي. فقلت: إني لا أستهزئ بك.
فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا ما بقي، ففرج الله ما بقي، فخرجوا يمشون» رواه البخاري ومسلم.
فالواجب على من أراد في العاجلة والآجلة النجاة أن يتخذ كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) منهج حياة.
فهل عمل بمقتضى شهادة (لا إله إلا الله)، وحقق كلمة التوحيد وجعلها منهج حياة من آثر الحظ الفاني الخسيس، على ذلك الحظ الباقي النفيس؟! ومن باع جنة عرضها الأرض والسماوات، بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات؟! ومن تعوض بمساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، بأعطان ضيقة في دار مكدرة ودنيا منكدة آخرها الخراب والبوار؟!
فهل علم المتخلف ما سيلقاه يوم القيامة، إذا اكتنف بعظيم الملامة وجسيم الندامة؟! يوم يحشر المتقون الى الرحمن وفدا، ويساق المجرمون إلى جهنم وردا؟! يوم ينادي المنادي ـ نداء صدق ـ على رؤوس الأشهاد: ليعلمن أهل الموقف من أولى بالكرم من بين العباد؟!
فلو علم ماذا أعد الله تعالى للموحدين من الإكرام، وادخر لهم من الهبة والمن والفضل والجود والإنعام لعلم أي بضاعة بسبب جهله بهذه الشهادة قد أضاع، وأنه لا خير له في حياته وهو معدود من سقط المتاع.
* الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية