عبدالحميد الخطيب
في اليوم الرابع لمنافسات مهرجان الكويت الدولي للمسرح الأكاديمي السابع الذي تحتضن عروضه خشبة مسرح حمد الرجيب بالمعهد العالي للفنون المسرحية، قدمت فرقة المعهد العالي للفنون المسرحية بجمهورية مصر العربية عرض «طقوس الإشارات والتحولات»، من تأليف الكاتب السوري سعدالله ونوس، وإخراج الطالب محمد يوسف.
وقد اعتمد المخرج على طرح رؤية جديدة لنص «ونوس»، تنطلق من لحظات المأساة الإنسانية، وكشف النفس البشرية، وسقوط الأقنعة، لتتعرى الشخصيات، حتى تصل إلى لحظة الإدراك والتكشف أمام النفس، فتحدث التحولات للشخصيات، سعيا إلى طلب التوبة والمغفرة والندم.
ويتم ذلك عبر خطوط درامية رئيسية، ومن خلال حبكة درامية، تدور أحداثها حول الصراع الاجتماعي بين كبار التجار، للسيطرة على الأسواق والنقابات، ولذلك يتم التدبير للقبض على أحد الأطراف المتصارعة في منزل مغنية، إلا أن التاجر الآخر يسعى بحيلة جديدة لإنقاذ ذلك باستبدال زوجته بالمغنية، وبذلك يتم تبرئة الأول، لكن الأمور تتعقد حينما تشترط الزوجة الطلاق، أي أن الزوجة الأمينة أنقدت زوجها، لكنها لم تستطع العيش مع من خانها.
وتتصاعد الأحداث وفي كل لحظة يتم كشف حقيقة المجتمع، بل وإدانة الآخرين، حتى يصل الجميع إلى لحظة الندم والاعتراف بذلك، فتكون النهاية.
لقد استبعد المخرج محمد يوسف خطوطا عديدة في النص الأصلي لـ«ونوس»، حيث بدأ أحداث «طقوس الإشارات والتحولات» في صورة حكاية تلقيها الزوجة على الجمهور، لتكون البداية من لحظة النهاية، لحظة إهدار دم الزوجة وقتلها، لكنها فيما بعد وداخل الأحداث تموت ضحية لمجتمع يرى المرأة من منظور العورة، ضاغطا عليها، فإذا ما سقطت تخلى عنها الجميع واهدروا دمها، لكن المرأة في العرض قوية، استطاعت التحدي ورفضت القيود الظالمة، وتحولت الزوجة إلى حكاية، كشفت خلالها المستور داخل مجتمعات الظلام والتحجر العقلي الذي تكون عواقبه وخيمة.
واعتمدت المجموعة على التناغم الاجتماعي في الأداء، متماشيا مع الموسيقى الحية لمحمد حنتولة، التي ساهمت في تجسيد الحالة النفسية، واستطاع إيهاب محفوظ، تحقيق الإحساس الداخلي للشخصية وتحولاتها، بداية من كونه قائد اللعبة الماكر، مرورا بوصوله إلى الحب وإحساسه بالندم، مقابل محمد يوسف، الذي بدأ موقفة الدرامي من الحب والغرور، حتى انقلب نادما باحثا عن المغفرة، فكانت مشاهده في المرحلة الثانية وكأنه انجذب بجسده وأصبح إحساسه بأنه مع خط السماء يناجي الله، باحثا عن الخلاص، وكأنه يريد الرحيل إلى السماء.
بينما اعتمد المخرج على التناقض الظاهري، بين مارتينا عادل، في دور الزوجة ابنه الأصول، وهايدي عبدالخالق في دور المغنية، وكليهما ضحايا، وقد استطاعت فيها مارتينا أن تقدم أداء يتسم بالوقار في المرحلة الأولى، ثم أداء عكس بصمودها وقوتها في مرحلة ثانية، عبر الاعتماد على نعومة الصوت في المرحلة الأولى، وخشونته في الثانية، مقابل لغة جسد توحي بالشخوص وعدم الانكسار في كل الحالات.
وقد أكدت السينوغرافيا لملاك رفعة، حالة الطقس التي اعتمدها المخرج، بداية من جمع أماكن العرض على الخشبة دفعة واحدة، مستخدما طرازا قديما عربيا اعتمد على أسلوب «الأرابيسك»، وإضاءة تؤكد الحالة الطقسية عبر القناديل المعلقة والمغطاة في تناغم مع الملابس العربية القديمة، وإضاءة أخرى تعتمد على التركيز والانتقال البؤري لتحقيق الانتقالات المكانية.
لقد استطاع فريق العرض من طلاب معهد القاهرة تقديم قراءة جديدة لنص «ونوس»، بحس مرهف، وطقوس مميزة، جعلت العرض متناغما في عناصره، ومحققا الرؤية الفكرية، والإمتاع جماليا وفكريا، بصريا وسمعيا.
عرض المغرب
وقدمت جامعة الحسن الثاني بالمملكة المغربية الشقيقة، ضمن منافسات المهرجان مسرحية «حنين» المأخوذة من نص مونودرامي «صبية اسمها حنين» للكاتب السعودي عباس الحايك، وتصدت لإخراجها وفاء العدوي وجسدتها على خشبة المسرح الممثلة كريمة والحوس.
تناولت المسرحية قضية زواج القاصرات المنتشرة في الوطن العربي، من خلال قصة فتاة اسمها «حنين» عانت كثيرا بسبب المأساة التي عاشتها عندما تزوجت وهي قاصر من رجل مسن، حيث باعها والدها له لانه ثري بدون النظر اليها كانسانة لها احاسيس، ويمنع عنها زوجها كل شيء حتى ان تحلم، وتتوالى الأحداث المؤسفة معها، لكنها تشعر بالحرية بعد رحيله، وتنتهي قصة «حنين» وهي ترقص رقصا هستيريا بدون وعي، في ليلة موت زوجها تعبيرا عن فرحها بزوال الهم والغم الذي كانت تعيش فيه.
استطاعت المخرجة وفاء العدوي ان تتعامل مع النص بحرفية ولمست لب قضية زواج القاصرات باقتدار، ونجحت في استفزاز المتلقين الذين عاشوا التقلبات النفسية لـ«حنين» من عذاب وقهر وحسرة وفرح وسعادة، ولفتت الممثلة كريمة والحوس الجمهور بادائها المتميز وخفة حركتها على المسرح، وأثارت الجميع بتحكمها في لغة الجسد وصوتها وحركاتها المنظمة.
حمل نص «حنين»، الذي كتبه السعودي عباس الحايك، بين طياته عمقا كبيرا للقضايا الاجتماعية التي تحدث في الوطن العربي وقدمته العدوي دون نقصان وذلك تحت إشراف أنور الحساني، والجميل في العرض انه من يحاكي الواقع بشكل كبير لذلك وجد تفاعلا كبيرا من جمهور مهرجان الكويت الدولي للمسرح الأكاديمي السابع، خصوصا من طلبة المعهد ولاسيما أنه عرض يعتمد على الممثل الواحد.