لم تكن نتائج الانتخابات الرئاسية في فرنسا بعيدة عن التوقعات التي أعطت لإيمانويل ماكرون (وسط) ومارين لوبن (يمين متطرف) التقدم في الدورة الأولى على حساب «فرانسوا فيون» (يمين) الذي أنهكته الفضائح، وميلانشون (يسار راديكالي) الذي نجح في التقدم من دون أن يخترق، في وقت كان مرشح الحزب الاشتراكي هامون خارج الحسابات والمعركة بعدما تخلت عنه أركان الحزب بعدما أيقنوا أن معركته خاسرة سلفا وتحولوا الى دعم ماكرون والرهان عليه.
ومع أن النتائج لم تحمل مفاجأة في تحديد المرشحين المنتقلين الى الدورة الثانية: ماكرون ولوبن، فإن ذلك لا يفقد الانتخابات الرئاسية أهميتها ولا يخفف من وقعها كونها انتخابات تاريخية ومفصلية. فقد أحدثت «زلزالا سياسيا» في فرنسا وأطلقت مرحلة جديدة من الحياة السياسية والحزبية، وتمهد لإعادة تشكيل المشهد السياسي على نطاق واسع وجذري. ولأنها أيضا لم تكن انتخابات فرنسية بحتة، وإنما كانت لها أبعاد أوروبية وكانت بمنزلة استفتاء فرنسي على الاتحاد الأوروبي، فالوجه الآخر لنتائج الدورة الأولى كان فوز المعسكر الفرنسي المؤيد للبقاء في الاتحاد الأوروبي وعدم الخروج من منطقة اليورو. وهذا ما يفسر كيف أن «اليورو» كان أول المستفيدين وسجل تحسنا فوريا، وكيف أن المؤسسات والأسواق الأوروبية سارعت الى الترحيب بالنتيجة وتنفست الصعداء.
أبرز الاستنتاجات والخلاصات التي يمكن الخروج بها من الجولة الأولى:
1 ـ «سقوط تاريخي» للحزب الاشتراكي الذي واجه «العقاب الجماعي»، وهذا يتحمل مسؤوليته بشكل مباشر الرئيس فرانسوا هولاند الذي أوصل حزبه الى الحضيض ولم يجرؤ على الترشح لولاية ثانية بخلاف كل الرؤساء الفرنسيين. ولكن الحزب الاشتراكي بعد ميتران يواجه أزمة عميقة ترجمت في عدم وصوله مرتين الى الجولة الثانية، وفي المرتين كانت «الجبهة الوطنية» تتقدمه وتزيحه.
2 ـ «انتكاسة وصفعة» لليمين المتمثل في حزب الجمهوريين الذي يتحدر من الحقبة الديغولية وآخر ما تبقى منها. للمرة الأولى في تاريخه، لا يصل اليمين الى الدورة الثانية ويخرج من السباق الرئاسي باكرا. وهذه الخسارة يتحمل مسؤوليتها بشكل مباشر فرانسوا فيون الذي قرر مواصلة المعركة وعدم الانسحاب رغم ما ألحقته الفضيحة التي طالته من أضرار جسيمة بصورته وحملته الانتخابية، ولكن حزب الجمهوريين، مع فيون أو مع غيره، يعاني من مشاكل ولم يكن في حال الجهوزية والقدرة على فوز سهل ومضمون.
3 ـ حققت «الجبهة الوطنية» أفضل نتيجة (21.53%) انتخابية وشعبية في تاريخها فاقت النتيجة التي تحققت أيام مؤسسها جان ماري لوبن الذي وصل الى الدورة الثانية الرئاسية عام 2007 بنسبة 17.5%، فقد أفادت «الجبهة» من جملة عوامل وظروف أحدثت تحولات عميقة في المجتمع الفرنسي واتجاهات الرأي العام واهتزازا عنيفا في المؤسسة السياسية (قضايا الأمن والإرهاب والهجرة والبطالة)، وجاء صعود «الجبهة الوطنية» في فرنسا في سياق صعود اليمين المتطرف في كل أوروبا. ولكن هذا التقدم ليس كافيا للوصول الى الحكم والفوز بالرئاسة الفرنسية.
ما تواجهه مارين لوبن في الدورة الثانية هو السيناريو نفسه الذي واجه والدها في العام 2002، عندما فاز وجاك شيراك في الدورة الأولى (وسقط مرشح الاشتراكي ليونيل جوسبان)، وفي الدورة الثانية تكتلت أحزاب اليمين واليسار في وجه لوبن وشكلت سدا منيعا حال دون وصوله الى الإليزيه.
وإذا كان «تحالف المتضررين والخائفين» يقطع الطريق الرئاسي على مارين لوبن، فإن النظام الانتخابي (الأكثري لا النسبي) لا يوفر لها فرصة الوصول أيضا الى البرلمان و«تسييل» قوتها الشعبية الى مقاعد والتحول الى رقم صعب في المعادلة السياسية.
4 ـ إيمانويل ماكرون هو «المفاجأة المتوقعة» للانتخابات الفرنسية، وهو الواصل الى الإليزيه من خارج المؤسسات السياسية والحزبية التقليدية، على رأس حزب سياسي حديث العهد، وبعد حملة رئاسية قصيرة الأمد لم تبدأ إلا قبل عام، ماكرون استفاد من تضعضع اليمين واليسار ومن نقاط ضعف خصومه، لينفذ من هذه الفجوة الى الدورة الثانية، وسيستفيد من حال الهلع والرفض عند اليمين واليسار ازاء لوبن ليحقق فوزا سهلا عليها ومن دون عناء في الدورة الثانية، لأن التصويت سيكون «تصويتا سلبيا»، بمعنى أنه تصويت ضد لوبن و«نكاية بها» أكثر مما هو تصويت مع ماكرون و«اقتناعا به».
5 ـ الانتخابات الرئاسية كشفت أزمة الأحزاب والنظام السياسي في فرنسا مع خروج الثنائي التقليدي من الدور الأول وتصدع اليمين واليسار بنسبة متفاوتة، وحيث إن اليمين مازالت أمامه فرصة لاستجماع قواه في الانتخابات التشريعية، ومازال مصرا على أنه خسر معركة ولم يخسر الحرب، وأن خسارته تتعلق بـ «شخص فيون» وليس بخط أو نهج سياسي ومبادئ وأفكار. وبالإجمال، فإن المشهد السياسي سيعاد تشكيله وصفحة جديدة فتحت في كتاب الجمهورية الخامسة، والخارطة الحزبية السياسية الشعبية النيابية ما بعد 23 ابريل 2017 لن تكون بالتأكيد مثل ما كانت قبل هذا التاريخ.
6 ـ التعاطي مع انتخابات الدورة الثانية بعد أسبوعين (7 مايو) يجري من الآن على أنها انتخابات محسومة ومعروفة النتائج سلفا لمصلحة ماكرون، وأن هدف لوبن ينحصر في تحقيق أفضل نتيجة ممكنة وتضييق الفارق الى أضيق نطاق ممكن، مهمة لوبن بالفوز صعبة ومستحيلة، وحتى لو حدث عمل إرهابي كبير، فإنه سيؤثر في المزاج العام، ولكن ليس الى حد إحداث انقلاب جذري والتصويت تحت تأثير الخوف والهلع.
وفي الواقع يجري من كل الأحزاب تجاوز الانتخابات الرئاسية التي أصبحت «وراء ظهرها» والتحول الى الانتخابات التشريعية التي ستعيد تشكيل خارطة الأحجام وميزان القوى في ظل وضع غير اعتيادي وغير مسبوق. ذلك أن الرئيس الجديد ماكرون سيكون عاجزا عن تشكيل أكثرية برلمانية مساندة له، والنظام الانتخابي لن يحول تيارا سياسيا ناشئا مثل حركة «الى الأمام» التي أسسها ماكرون قبل عام لنيل الأغلبية البرلمانية. وهذا الوضع يعني أن الرئيس لن يحظى بأغلبية برلمانية وسيكون رهينة موازين القوى التي ستسفر عنها الانتخابات التشريعية وسيكون مضطرا للتحالف مع الأكثرية البرلمانية الجديدة وستشكل حكومة ائتلافية، هي نوع جديد من الحكومات في فرنسا بعد «حكومات التعايش» بين الرئيس اليميني والحكومة الاشتراكية، أو أحيانا بين الرئيس الاشتراكي والحكومة اليمينية، وهذا الوضع يعني أن فرنسا مع رئيس «وسطي توافقي» ومع حكومة ائتلافية تعكس التوازنات الجديدة، ستدخل مرحلة من عدم الاستقرار السياسي الذي سيكون من سمات المرحلة الانتقالية على مستوى الحكم والمؤسسات الدستورية والنظام السياسي.