- بدء تشكيل «جبهة جمهورية» لقطع الطريق أمام اليمين المتطرف
انطلقت الاستعدادات للجولة الثانية من السباق المحتدم للفوز برئاسة فرنسا، إذ شنت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن هجوما لاذعا على منافسها مرشح الوسط إيمانويل ماكرون، واصفة إياه بأنه «ضعيف» في مواجهة - ما تسميه - الإرهاب الإسلامي، فيما أكد منافسها أنه يريد توحيد الفرنسيين في مواجهة تهديد القوميين.
وينطلق ماكرون المؤيد لأوروبا من موقع المرشح الأفضل حظوظا، متقدما على لوبن المعادية للعولمة، في وقت بدأت تتشكل «جبهة جمهورية» لقطع الطريق أمام اليمين المتطرف.
واستأنفت مارين لوبن التي حققت أفضل نتائج لها في الأرياف والبلدات الصغيرة والمناطق التي عانت من عواقب العولمة، حملتها منذ صباح امس مع زيارة إلى شمال فرنسا.
وأسفرت الدورة الأولى من الانتخابات التي تميزت بمشاركة كثيفة ناهزت 80%، عن خروج الحزبين الكبيرين اليميني («الجمهوريون») واليســــاري (الحــــزب الاشتراكي) من الشوط الأخير من السباق إلى قصر الإليزيه، في وضع غير مسبوق في فرنسا، مع بروز مرشحين على طرفي نقيض أحدهما عن الآخر أوصلتهما رغبة الفرنسيين في تجديد الحياة السياسية في بلادهم.
وفي ختام حملة انتخابية حافلة بالمفاجآت استمرت عدة أشهر، تصدر الوسطي إيمانويل ماكرون (39 عاما) نتائج الدورة الأولى حاصدا 23.75% من الأصوات، فيما حلت زعيمة حزب الجبهة الوطنية مارين لوبن (48 عاما) في المرتبة الثانية بحصولها على 21.53% من الأصوات، محققة نتيجة تاريخية لهذا الحزب وصلت إلى 7 ملايين صوت، بحسب النتائج النهائية.
وعكست عناوين الصحف الفرنسية امس صدمة هذه الدورة الأولى راسمة التحديات المقبلة، فكتبت «لو فيغارو» اليمينية «الضربة القاضية لليمين»، فيما نشرت «ليبيراسيون» اليسارية على صفحتها الأولى صورة ماكرون مع عنوان «على مسافة عتبة».
أما «لومانيتيه» الشيوعية، فاختارت نشر صورة لمارين لوبن تعترضها كلمة «أبدا!».
ونوهت لوبن أمام مناصريها بنتيجة «تاريخية» غير مسبوقة، بحصولها على 7.6 ملايين صوت بحسب النتائج شبه النهائية، بعدما كانت جميع استطلاعات الرأي منذ 2013 تتوقع تأهلها إلى الدورة الثانية.
وقالت لوبن الداعية إلى إغلاق الحدود والخروج من اليورو وتعليق الهجرة، إن «الرهان الكبير في هذه الانتخابات هو العولمة العشوائية التي تشكل خطرا على حضارتنا».
وشنت هجوما شديدا على منافسها قائلة: «ليس لديه مشروع لحماية الشعب الفرنسي في مواجهة أخطار الإسلاميين»، داعية إلى «تحرير الشعب الفرنسي» وهزم «وريث فرانسوا هولاند».
وقالت لوبن «حان الوقت لتحرير الشعب الفرنسي من النخبة المتعجرفة التي تريد أن تملي عليه سلوكه.. نعم أنا مرشحة الشعب وأوجه نداء لكل الوطنيين الفرنسيين للانضمام إلينا».
في المقابل، أكد إيمانويل ماكرون المرشح الفائز في الدور الأول أنه يريد أن يكون رئيسا لكل الشعب الفرنسي وللوطنيين في مواجهة تهديد القوميين.
وأشار إلى أن من مسؤوليته أن يوحد الفرنسيين بشكل أوسع وأن يحقق المصالحة ليفوز بعد 15 يوما ويصبح الرئيس.
وتابع «لقد غيرنا الحياة السياسية في ظرف عام واحد»، في إشارة إلى حركته التي أسسها في أبريل الماضي، ومتوجها إلى أنصاره: «أتطلع إلى أن أكون رئيسكم، رئيس جميع الوطنيين في مواجهة خطر القومية، رئيسا يحمي ويحول ويبني».
ودعت غالبية الطبقة السياسية الفرنسية سواء من اليمين أو من اليسار، وخصوصا فرنسوا فيون وبونوا آمون، إلى «تشكيل حاجز» بوجه اليمين المتطرف.
وشدد تييري سولير المتحدث السابق باسم فيون على أن الفرنسيين سيرتكبون «خطأ أخلاقيا إن لم يقطعوا الطريق على اليمين المتطرف».
وتذكر مثل هذه «الجبهة الجمهورية» بالانتخابات الرئاسية عام 2002 حين تأهل مؤسس الجبهة الوطنية جان ماري لوبن والد مارين للدورة الثانية في مواجهة جاك شيراك، قبل أن يتكبد هزيمة كبرى (17.79%) في مواجهة قوى سياسية تكتلت ضده.
وستكون المبارزة في 7 مايو حول برنامجين على اختلاف تام في العديد من المواضيع كالانفتاح مقابل الانغلاق، والهوية الوطنية مقابل التعددية، والليبرالية مقابل الحمائية، غير أن الاستقطاب الحقيقي فيها سيكون حول موضوعين محوريين هما أوروبا والعولمة.
مسجد باريس الكبير يدعو مسلمي فرنسا للتصويت بكثافة لماكرون
باريس - أ.ش.أ: دعا مسجد باريس الكبير امس مسلمي فرنسا إلى التصويت بكثافة لصالح المرشح الرئاسي وزعيم حركة «إلى الأمام» إيمانويل ماكرون وذلك في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 7 مايو.
وذكر مسجد باريس - في بيان له امس - أن إيمانويل ماكرون في احترامه لقيم الجمهورية والتطبيق الصارم لمبادئ العلمانية يجسد طريق الأمل والثقة في القوة الروحية والمدنية للأمة.
وحث البيان مسلمي فرنسا على القيام بواجب الانتخاب كمسلمين وكمواطنين حيال خطر انقسام وتشرذم المجتمع الفرنسي الذي يسعى له بعض السياسيين.
واعتبر أن الجولة الثانية من الاقتراع ستكون حاسمة في مصير فرنسا وأقلياتها الدينية، مشددا على ضرورة أن يظل الفرنسيون موحدين إزاء التهديد الفعلي الذي تحمله الأفكار المعادية للأجانب والخطيرة على اللحمة الوطنية، وذلك في إشارة ضمنية إلى مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن التي تأهلت للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية أمام إيمانويل ماكرون.
يذكر أن «مسجد باريس الكبير» من أكبر مساجد فرنسا، وشيد من قبل مهاجري شمال أفريقيا الأوائل في فرنسا، الذين كان أغلبهم من الجزائريين، تكريما للجنود المسلمين الذين دافعوا عن فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى.
تجدر الإشارة إلى أن عدد أبناء الجالية المسلمة في فرنسا، التي تعد الأكبر في أوروبا، يتراوح بين 5 و6 ملايين شخص.
من هو «إيمانويل ماكرون»؟!
بيروت: منذ استقالته المفاجئة من الحكومة بعد عامين فحسب في المنصب، وجه ماكرون رسالة قوية مناهضة للمؤسسة القائمة ساعدته في أن يصير الأوفر حظا في الفوز في انتخابات رئاسية تعد الأكثر غموضا في فرنسا قبل عيد ميلاده الأربعين.
وإذا فاز ماكرون البالغ من العمر 39 سنة، والذي لم يكن معروفا على نطاق واسع قبل أقل من ثلاث سنوات، فسوف يصير أصغر رئيس لفرنسا منذ نابوليون بونابرت.
ويعزو كثيرون صعود ماكرون المفاجئ إلى توقي الفرنسيين الى وجه جديد مع انهيار غير متوقع لعدد من منافسيه من التيارات السياسية الرئيسية وخصوصا اليمين واليسار التقليديين. كما كان لذكائه التكتيكي الحاد أيضا دور في صعوده.
واستغل ماكرون الشعور بخيبة الأمل حيال الوضع الراهن وتعهد تغيير المؤسسة القائمة على رغم أنه تلقى تعليمه في مدارس فرنسية مرموقة وعقد صفقات وصلت قيمتها الى عشرة مليارات دولار لمجموعة روتشيلد وتولى منصب وزير في حكومة الرئيس فرانسوا هولاند الاشتراكية.
وأذهل ماكرون منافسيه من خلال بناء قاعدة تأييد راسخة والحصول على تأييد سياسيين منشقين عن يسار الوسط ويمين الوسط.
وتمكن ماكرون من الصعود بثبات في صفوف المؤسسة الفرنسية عندما قرر استغلال مهاراته، مصرفيا متمرسا في عالم الاستثمار وعقد الصفقات، في عالم السياسة. ويمثل ماكرون لكثيرين التجدد والشباب، لكنه يفتقر إلى الخبرة.
وبدا لجزء كبير من الناخبين أنه الأفضل، في عرض انتخابي شمل 11 مرشحا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
كما يمثل ماكرون نموذج الطبقة الفرنسية المثقفة، وهو موظف كبير سابق في الدولة، تخرج من معاهد النخب، ثم عمل مصرفي أعمال، ودخل السياسة عام 2012 مستشارا للرئيس هولاند.
ومن هذه الخبرة في ظل السلطة، التي تبعتها سنتان على رأس وزارة الاقتصاد، يقول إنه استخلص عبرة أساسية، وهي أن النظام السياسي الحالي يعاني من «اختلال وظيفي».
وفي حين نجح ماكرون في إقناع جزء من الناخبين ببرنامجه الاقتصادي والاجتماعي، فإن كثيرين ممن صوتوا لصالحه، اعتبروه ضمانة لقطع طريق الإليزيه أمام لوبن التي تريد تغيرا جذريا، عبر الخروج من الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو، إلى جانب تقسيم المجتمع بين أصيل ووافد، ومسيحي ومسلم.
وبهذا الصدد، قال فرانسوا هولاند أخيرا، في جلسة مصغرة: «أعتقد أن ماكرون، وتحديدا لأنه كان من خارج الحياة السياسية التقليدية، فهم أن الأحزاب الحاكمة ولدت نقاط ضعفها بنفسها، وفقدت جاذبها الخاص، وباتت بالية متعبة هرمة».
وحمل هذا الحدس الوزير الشاب في مطلع 2016 على تأسيس حركته التي اختار لها اسم «إلى الأمام»، ووصل عدد منتسبيها نحو 200 ألف.
واستقال بعد ذلك من الحكومة، وقدم ترشيحه للانتخابات الرئاسية، عارضا برنامجا له توجه اشتراكي ليبرالي.
وبنى ماكرون كل طروحاته حول خط أساسي يقضي بالتوفيق بين الحرية والحماية، فدعا إلى إصلاح مساعدات العاطلين عن العمل، واقترح تدابير «تمييز إيجابي» لصالح الأحياء الفقيرة.
ويستهدف برنامجه بشكل أساسي الطبقات الوسطى التي يقول إنها «منسية»، سواء من اليمين أو اليسار.
يقول «فيليكس ماركار» (مؤسس ورئيس تنفيذي لشركة Atlantic Dinners ومؤسسة «Youthonomics» الفكرية التي تعنى بتمكين الشباب من خلال الهجرة المتعددة الأطراف): «يفهم ماكرون، شأنه شأن ستيفن بانون ومارين لوبن، أن اتفاق دافوس بائد، وأن شعار المنتدى الاقتصادي العالمي، القائم على «الالتزام لتحسين وضع العالم»، يبدو مخادعا أكثر فأكثر على مر السنين. وهو يرى أن السياسة المسؤولة، في القرن الحادي والعشرين، تقوم في آن على استحداث الثروة، وعلى إعادة توزيعها بطريقة تضمن ألا يلقى عبء إعادة تحديد التوازن «المنصفة فعليا»، التي نشهدها اليوم بين دول العالم المتقدم وباقي البشرية، على الطبقات المتوسطة الأفقر في العالم المتقدم، بل في نقيض ما يفعله الآخرون، ينوي استعمال هذه المعرفة للحد من انتقال عدوى القومية اليمينية.
وبدلا من أن يرى في حالات الفشل المسجلة في الاتحاد الأوروبي، والبريكسيت، وانتخاب دونالد ترامب دليلا على عودة الدولة القومية، يفهم ماكرون، البالغ العمر تسعة وثلاثين عاما، أنها أعراض تشير إلى تقادم الدولة القومية هذه، بصفتها عنصرا يحدد ما سيكون ولا يكون في الحكم الحديث.
ويفهم أن قدرة الروس على زعزعة «الدولة التي لا غنى عنها» بهذا الشكل الجذري، والثقب الأسود الذي «يفرغ الروح من محتواها ويستقطب مجمل الاهتمام»، المتمثل في سلسلة لا متناهية من الفضائح المرتبطة برئاسة ترامب، هي أمور ستأتي مقابل ثمن هو الديموقراطية العالمية.
وكذلك، يدرك تماما أن عدم المساواة يتفاقم بين الأجيال، ويعرف أن تصادما بين الأجيال، أكثر منه بين الحضارات، سيلوح في الأفق إن لم يتم التصرف لكبحه.
لقد بنى ماكرون من الصفر تحركه السياسي الجامع بين الحزبين، الذي يتخطى حاجز الأجيال.
وبنظره، يبدو تقادم الدولة القومية واضحا من الطريقة التي تتجمع فيها أسرع الشركات نموا في العالم حول نطاقات لغوية، ومناطق ومدن، بدلا من تجمعها حول دول.