جعل الله العمل طريقا لسعادة البشر، فقال تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، وتطبيقا لهذا المبدأ الإلهي فقد أفنى العلماء المسلمون حياتهم في سبيل العلم والعمل معا، حتى صاروا أعلاما على منارات العلوم.
ففي مجال الطب، نجد ان علم الطب لم يزدهر على مدى التاريخ الا في ظل الإسلام، ما دفع مشاهير الكتاب إلى الإشادة به، فهذا هو السير ويليام اوسلي يقول في كتابه «تطور المسلمين» :«ان علماء الطب من المسلمين قد أشعلوا سرجهم من القناديل اليونانية فبلغت مهنة الطب عندهم من القرن الثامن حتى القرن الحادي عشر للميلاد من المكانة والأهمية لم نجد لهما مثيلا في التاريخ».
ولا عجب فالطبيب العالم أبو بكر الرازي كان قد اتجه إلى دراسة الطب بعد تجاوز مرحلة الشباب، فما إن بلغ الأربعين حتى صار أشهر أطباء عصره، ومن أهم تعاليمه دعوة المشتغلين بالطب الى دوام القراءة والاطلاع فقال: «إن الإنسان لو عمر ألف سنة واكتفى فيها بمشاهداته واختباراته الخاصة لما استطاع ان يحيط علما بما وصل إليه الإنسان في كل آن، فهو مضطر الى إنارة بصيرته بعلوم الغير، تلك هي السياسة في تعلم الطب وبها يمكن للطبيب ان يلاحق ركب العلم في كل مكان».
كما انه دعا إلى أن يكون الطبيب حكيما في تصرفاته وعلاجه للمريض، وقال: والعلاج حسب نصوص الكتب دون إعمال الفكر خطر، ويقول: عليكم بما أجمع عليه الأطباء وشهد عليه القياس وأيدته التجربة، وينبغي على طالب الطب ان يواصل زيارة دور العلاج وأن يوجه انتباها لا يضر الى احوال المرضى والأعراض الظاهرة عليهم، ذاكرا ما قرأه عن هذه الأعراض، وأن عليه ان يكون اثناء تلك الزيارات بصحبة أعظم اساتذة الطب ذكاء.
ولعل في قوله هذا منهجا علميا راقيا لم تصل إليه النظريات التربوية العلمية إلا أخيرا.