دخلت مصر منذ 6 سنوات مرحلة «عبور الصحراء» منكفئة على مشاكلها الداخلية وأوضاعها المضطربة سياسيا وأمنيا واقتصاديا، ومتخلية قسرا عن دورها القيادي في العالم العربي وفي شمال أفريقيا.. مصر اجتازت هذه المرحلة لتدخل في مرحلة استعادة دورها الإقليمي انطلاقا من ثلاثة «ملفات أولويات»: القضية الفلسطينية، الأزمة الليبية والحرب السورية.
وبدأت القاهرة تخطو خطوات عملية على طريق استعادة هذا الدور من الباب الفلسطيني الواسع، وتحديدا غزة، ومن النافذة السورية الضيقة، وتحديدا دمشق.. في الملف الفلسطيني تتقدم وتحقق اختراقات نوعية بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وفي الملف السوري تطل عبر إنجازات رمزية وذات مغزى بالتنسيق مع روسيا.
القاهرة شهدت قبل أيام حدثين منفصلين يؤكدان استعادة مصر «عافيتها العربية» تمثل الأول في توقيع وإعلان اتفاق المصالحة الفلسطينية رسميا في القاهرة، وهو اتفاقتاريخي لأنه طوى صفحة الانقسام الجغرافي والسياسي وحقبة سوداء أنهكت الفلسطينيين ودمرت قضيتهم، مما يعد إنجازا لمصر التي نجحت في تحقيق اختراق مهم في «الأزمة الفلسطينية» وفي أن يكون لها الدور المحوري في إعادة تحريك مفاوضات السلام وتهيئة الأرضية الفلسطينية لها عبر احتواء «حماس» وتمكين السلطة من العودة الى غزة وتوفير ظروف الذهاب الى المفاوضات بموقف واحد وحكومة واحدة تحت عنوان عريض هو السلام الإقليمي وحل الدولتين.
والحدث الثاني في اليوم نفسه، وعلى خط آخر، تمثل في الإعلان عن التوصل إلى اتفاق على وقف النار في منطقة جنوب دمشق برعاية مصر وضمانة روسيا.، ففي موازاة التوتر الأميركي الروسي المتجدد، نجحت موسكو مجددا بالتعاون مع القاهرة، في إقرار اتفاق «تخفيف تصعيد» جديد في محيط دمشق، يشمل المناطق التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة جنوب العاصمة، وهي «جيش الإسلام» و«جيش الأبابيل» و«أكناف بيت المقدس» والاتفاق على الاستمرار في فتح المعابر جنوب العاصمة لدخول المساعدات الإنسانية والتشديد على رفض التهجير القسري لسكان هذه المنطقة، مع التأكيد على فتح المجال أمام أي فصيل آخر في جنوب العاصمة للانضمام إلى وقف إطلاق النار.
ويلاحظ كثير من المراقبين دخول مصر مشهد الصراع في سورية ودور القاهرة في المفاوضات بين المعارضة المسلحة والنظام، فيما يتعلق بما بات يعرف بمناطق التهدئة، وحصل ذلك بموافقة روسية وسعودية، حيث ان روسيا في حاجة لدور عربي تحت مظلتها في الأزمة السورية في موازاة الدورين الإيراني والتركي.
من ناحية ثانية، يبدو أن السعودية بعد استكمال إدارة ترامب لما بدأته الإدارة السابقة بتسليم الملف السوري للروس، ترى ضرورة حضور عربي رسمي في الأزمة السورية وقد دخلت هذا المنعطف الحساس، علاقة الرياض بكل من النظام السوري، وراعيته إيران لا تسمح لها بأن تكون هي الطرف العربي المطلوب، وفي هذا السياق، يبدو أن الرؤية السعودية والروسية التقت على أهمية أن تتولى مصر هذا الدور.
يستجيب هذا التطور ميل القاهرة إلى أداء دور في أزمة بلاد الشام يعنيها لأن تستعيد دورها في الإقليم من الباب الذي يوفر لها هذه العودة.
فهي لم تقطع العلاقة، السياسية والأمنية، مع النظام في دمشق لكنها في المقابل أفسحت مجالا لطيف من المعارضة سمي باسمها «منصة القاهرة» وهي تعرف أنها لاعب يرغب فيه طرفا الصراع الداخلي، فضلا عن اللاعبين الدوليين، الولايات المتحدة وروسيا التي أيدت تدخلها.
ومنذ الإطاحة بنظام «الإخوان» في مصر، نقل الرئيس عبد الفتاح السيسي خطواته بدقة حيال الأزمة في سورية، فأبقى الخطوط مفتوحة مع دمشق، لكنه لم يفتح الباب نحو إيران، كما وازن بين علاقاته مع دول الخليج العربي وموقف هذه من النظام ومن تمدد طهران، ولكن طرأ كثير على المشهد العام اليوم، فالحوار لا يزال قائما خصوصا بين السعودية والإمارات وروسيا ولم يعكره أن وسعت روسيا من انتشارها، وأضعفت الفصائل المعارضة وساعدت النظام على الثبات وتحقيق إنجازات ميدانية فلم يعد لخصوم إيران تحفظات كبيرة على مواقف موسكو، خصوصا أن ثمة اقتناعا في أوساطهم بأنها ستصل في نهاية المطاف إلى إضعاف دور طهران ولا يضير هؤلاء، في حمأة الأزمة بين دول الخليج الثلاث ومصر من جهة وقطر من جهة ثانية، أن تتولى القاهرة دورا ينهي وجود تنظيمات سورية تتلقى الدعم من الدوحة وأنقرة حيث بات واضحا أن الدولتين الخليجيتين منخرطتان في دفع الأزمة نحو تسوية.
ويرى محللون سعوديون أن مصر لم تكن يوما ضد النظام السوري، ولكن موقفها يكتنفه شيء من الغموض حيال مستقبل الأسد في الحل النهائي المنشود للأزمة السورية، وينطلق من 3 هواجس، الأول هو معارضة وصول الإخوان المسلمين، والمعارضة الإسلامية عموما إلى الحكم في سورية، وذلك لكسر أي طوق إخواني قد يحيط بمصر في حال وصول أي من هؤلاء إلى الحكم هناك، والثاني هو تفضيل بقاء السلطة في يد الجيش السوري حتى لا تبقى مصر وحدها من يحكمها الجيش، والثالث هو ألا يفضي الحل النهائي في سورية إلى تعزيز نفوذ دول إقليمية على حساب مصر.
هنا يتقاطع الموقف المصري في غموضه وتفاصيله مع الموقف الروسي، ويختلف في حدوده وأهدافه النهائية مع الموقف التركي، ويكاد يتناقض مع الموقف الإيراني حيث ترى تركيا ضرورة رحيل الأسد ولكن بعد تقاربها مع روسيا، واتفاقها مع إيران حيال الموضوع الكردي في كل من العراق وسورية، فقد تغير هذا الموقف القاطع، وأصبحت أنقرة تفضل الغموض، وتلتزم الصمت في شأن مستقبل الأسد، بينما الموقف الإيراني هو أكثر المواقف وضوحا إذ ترى أنه لا حل في سورية من دون بقاء الأسد.
يبقى أن هناك واقعا آخر هو أن روسيا التي لم تقطع هي الأخرى لقاءاتها وتفاهماتها مع شريكيها في أستانة، تبني علاقات موازية مع أطراف أخرى هدفها توسيع دائرة المعنيين بالأزمة في سورية لتظل لها الكلمة العليا وقد شاركت وتشارك إسرائيل والأردن والولايات المتحدة وها هي اليوم تستعين بمصر طرفا يحل منطقيا محل النظام الذي كان يفترض أن يضع يده على الغوطة الشرقية ما دام أن أهلها ضاقوا ذرعا بالمقاتلين وحروبهم.
إضافة إلى ذلك، يأتي إشراك مصر في إطار الهدف الاستراتيجي الواسع لروسيا، فهي رمت من تدخلها في سورية تثبيت أقدامها في شرق المتوسط، ثم تحويل قاعدتها في حميميم وطرطوس منطلقا إلى الشرق الأوسط كله لذلك جمعت في كلتا يديها أطرافا متناحرة أو متنافسة لا يمكن الجمع بينها، من إيران وإسرائيل وتركيا إلى دول الخليج ومصر، وخرجت من فضاء المشرق إلى شمال أفريقيا، إلى ليبيا التي كانت يوما مستودعا للترسانة السوفييتية في القارة السمراء كلها.
وأعادت تحريك ديبلوماسيتها للانخراط في أزمة اليمن لئلا تكون بعيدة عن أي تسوية سياسية في هذا البلد حيث يريد الكرملين بوضوح استعادة ما كان للاتحاد السوفييتي أيام الصراع بين «الجبارين».