مازلنا بين يدي سورة «المومنون» حيث افتتحت بالإخبار عن المؤمنين ويقر الله فيها الفلاح للمؤمنين وبيان صفاتهم وما تحلوا به من فضائل زكت انفسهم فاستقام سلوكهم، ومر بنا أنهم يعبدون الله بأحوالهم ومقالهم فإن الخشية من الله تعمر هذه القلوب يقول الحسن البصري: «المؤمن جمع إيمانا وخشية والكافر جمع إساءة وأمنا».
الخوف والمحبة والرجاء لله
لما ذكر الله تعالى أحواله ثنى الآية (ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون) كمال عدله وكمال رحمته بخلقه انه تعالى لا يكلف مؤمنا بأكثر مما يستطيع، فكل ما أمر به الله قادر عليه الإنسان دون مشقة، والمؤمن يعرف ان الله ما كلفه إلا بما يطيق، وعداوة الشيطان تدخل مباشرة اما من الشيطان نفسه أو من هوى النفس. قال صلى الله عليه وسلم عن الأمور التي تمحو الذنوب «إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد» فالمؤمن لا يخشى ضياع الخير مع الله، فكل خير مكتوب عند الله، والله يعاملهم بفضله أو بعدله وهم لا يبخسون من الخير شيئا وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين.
غفلة القلب
ثم قال منكرا على الكفار والمشركين من قريش (بل قلوبهم في غمرة من هذا.. الآية) أي في غفلة وضلالة من هذا أي القرآن الذي انزله على رسوله صلى الله عليه وسلم.
(ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون) أي كتبت عليهم اعمال سيئة لابد ان يعملوها قبل موتهم لتحق عليهم كلمة العذاب. وهذا من كمال علم الله أنهم بالإضافة إلى كفرهم سيعملون أعمالا سيئة.
أكبر ذنوبهم
ثم بين الله سبب حالهم في ذلك اليوم (قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون) ( ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وان يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير) فقد كنتم تنكصون وترجعون للخلف من شدة بغضكم للحق وللقرآن الذي لا تريدون سماعه (مستكبرين به سامرا تهجرون) بين الله حال المستكبرين حيث كانوا يسهرون في الليل يسمرون بالهجر من الكلام «أنه سحر وأنه شعر» وغير ذلك وكانوا يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم في سمرهم بالقول السيئ الفاحش.
أهل الترف والباطل
(حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون) بين الله من يتصدى للحق من اهل الترف والباطل فإذا زاد الكبر في الإنسان قل تدبره، فالإيمان لا يكون مع الاستكبار والعجب، والاستكبار من سمات أهل الكفر ويقابله الترف والبغي، فهم في الباطل منغمسون فمتى تكون الصحوة؟ حين يأتيهم العذاب فهم يستغيثون ويتضرعون إلى الله (لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون) لن يجيركم احد مما حل بكم سواء جأرتم أو سكتم لا مناص ووجب العذاب.
الكبر آفة لا تجتمع مع الإيمان
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) قال رجل: ان الرجل يحب ان يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا قال: «إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس» رواه مسلم والترمذي واحمد وقد وردت آيات كثيرة تذم الكبر وتنهى عنه وتحذر منه من ذلك.
هل هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة؟
يقول الإمام ابن باز - رحمه الله: الصواب أنه ليست هناك بدعة حسنة، فكل بدعة ضلالة كما بين النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إنه قال صلى الله عليه وسلم في خطبته في الجمعة: (أما بعد فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة...)، وهكذا جاء في حديث عائشة وفي حديث بعض نسائه وغيرها، فالبدع كلها ضلالة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وأما ما رآه العلماء من تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة فهو اصطلاح جديد، ورأي من بعض العلماء لا يعول عليه، والصواب أن كل بدعة ضلالة وما ظنه بعض العلماء أنه بدعة حسنة فليس الأمر كذلك، ولكنه مشروع ولا يقال له بدعة وإن قيل له بدعة من جهة اللغة كما قال عمر رضي الله عنه في التراويح: نعمت البدعة، فهذا من حيث اللغة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستمر عليها في حياته خاف أن تفرض عليهم فصلاها ليالي ثم ترك، وقال إني أخشى أن تفرض عليكم فلما توفي صلى الله عليه وسلم رأى عمر رضي الله عنه أن إقامتها أمر طيب ومشروع، لأن افتراضها على الناس قد أمن بموته صلى الله عليه وسلم فلهذا لما أمرهم بذلك ورآهم يصلون قال: نعمت البدعة هذه، من حيث اللغة، لأن البدعة في اللغة ما فعل على غير مثال سابق والتراويح لم تكن على مثال سابق من جهة الاستمرار خلال ليالي رمضان وإلا فهي سنة، التراويح سنة قربة وطاعة لله ليست بدعة من حيث الشرع، وهكذا ما يسمى بدعة من حيث اللغة لم يكن موجودا كالمدارس المنظمة وأشباه ذلك هذا إذا قيل له بدعة من حيث اللغة لا يضر لكن ليس ببدعة من حيث الشرع لأن المدارس إنما أوجدت لتعليم كتاب الله وتعليم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وبيان لأحكام الشرع فهي قربة إلى الله، مثلما تبنى المساجد لإقامة الصلاة فيها وحلقات العلم فليس ببدعة، وتعمير المساجد بغير الطريقة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم كأن تعمر بالمسلح بالأحجار بالساج فيها قربة وطاعة ومأمور بها وإن كانت على غير الغرار الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد بنى عثمان رضي الله عنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير الطريقة التي بناها عليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث بناه بالحجر وبالساج تعظيما لهذا المسجد وتشريفا له، لما رأى الناس غيروا وحسنوا بيوتهم بالبناء أحب أن يحسن مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهادا منه رضي الله عنه وأرضاه وهكذا ما يوجد من المساجد بالمسلح أو بالحجر المنقوش أو كذا لا يقال بدعة، ولكن يستحب للمسلم عندما يبني المساجد أن يخليها من النقوش ومما يشوش على المصلين.
التوبة مقبولة إلا عند ثلاثة
ثلاثة أوقات لا تقبل فيها التوبة:
1- عند معاينة الموت قال تعالى (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ـ يونس ـ 90).
2- عند حلول العذاب، قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ )، ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ).
3- حين ظهور علامات الساعة الكبرى وطلوع الشمس من مغربها قال تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فاذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين (لا ينفع نفسا إيمانها) ثم قرأ الآية:
فوائد القرآن
(أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ)
كرم الله أمة العرب بالقرآن وهو معجزة لغوية جاءت بما يعرفونه وينكر الله على المشركين عدم تفهمهم للقرآن العظيم وتدبره واعراضهم عنه مع أنهم قد خُصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل على رسول اكمل منه ولا أشرف منه يقول ابن كثير: «والله يجدون في القرآن زجرا عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا» لو سمعوا آية لعرفوا انها الحق، وقد توالت الرسل على البشرية بدعوة التوحيد ومع ذلك يدعون أنهم حفظة دين ابراهيم، فمن كان ابراهيم؟ ومن كان إسماعيل؟ ألم يكونا موحدين.
(أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) أليس هذا الصادق الأمين أفيقدرون على انكار ذلك والمباهتة منه؟ رغم معرفة صفاته ونسبه وصدق امانته.
(أم يقولون به جنة) تتوالى الاتهامات لمن عصمه الله بنور الوحي والعقل واتهموه بالجنون وهم يعلمون بطلان ما يقولون في القرآن فانه آتهم من كلام الله وقد تحداهم وجميع أهل الأرض ان يأتوا بمثله ولن يستطيعوا أبدا (وأكثرهم للحق كارهون) بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بالحق من عند الله وهذه العلة انهم يعرفون الحق ولكنهم يكرهونه.
(وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ).
قاعدة وسنة كونية هذا الدين ليس وفق احد من البشر انما تنزيل رباني الأمر والنهي من عند الله ولو اجابهم الله الى ما في انفسهم من الهوى وشرّع الامور وفق ذلك لفسدت السموات والارض ومن فيهن لفساد أهوائهم واختلافها فاتباع الاهواء أصل الفساد.