تقرير إلهي
مازلنا في رحاب سورة تجلت فيها صفات الصفوة ممن رضي الله عنهم، والقرآن مثاني تثنى فيه الأحوال، وقد مر بنا في الدرس السابق منّ الله على عباده ان جعل لهم السمع والأبصار والافئدة مما يستحق الشكر، ولكن الكافر قابل ذلك بالكفران (بل قالوا مثل ما قال الأولون) يستبعدون البعث (قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون)، هذا الادعاء الذي يقوله كفار قريش أنهم آمنوا بالله ربا ولكنهم أشركوا وتحججوا بما قاله أجدادهم وهذا سر كبوة وفشل كل من يتعلق بعبادة بالية.
يقول الله تعالى (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون) يقرر الله وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك وانه الله لا اله الا هو ولاينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، ثم يعيد عليهم سبحانه السؤال (قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم) الله هو خالق كل المخلوقات، فهو خالق الكواكب والسماوات مرفوعة بقدرته بلا عمد وفيها النجوم السائرة والملائكة يخضعون له، والكون كله تحت عرش الرحمن.
(سيقولون لله قل أفلا تتقون) يعترفون بالله ربا ولا يوحدونه بألوهيته، فإذا كنتم تعترفون بأنه رب السموات ورب العرش العظيم أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراككم به؟!
ثم يأتي السؤال الثاني (قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون) الله يملك الكون ومن فيه، كل شيء خاضع لسلطانه.
وكانت العرب إذا أجار السيد منهم أحدا فليس لمن دونه ان يُجير عليه وإذا كنت تعترفون أيها المشركون بأن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه حق الله وحده لا شريك له (قل فأنى تسحرون) أي فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره، مع اعترافكم وعلمكم بذلك؟
(بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون) لا يأتي الله إلا بالحق فهو الحق والساعة حق والجنة حق والنار حق، وكل حق يأتي من الله وكل باطل يأتي من الشيطان.
بعد ان ارشد سبحانه الى آياته العظيمة نزه الله تعالى نفسه عن ان يكون له ولد او شريك في الملك والتصرف والعبادة فقال (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق)، ولو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما خلق، فهو يعلم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه فتنزه وتقدس تعالى عما يقول الظالمون الجاحدون.
الله يعلّم نبيه
ثم يأمر الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ان يدعو الدعاء عند حلول النعم ويعلمـــه هــذا الدعـــاء (قل رب إما تريني ما يوعدون) أي إن عاقبتهم وأنا اشاهد ذلك فلا تجعلني يا رب فيهم، وفي الحديث «وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون».
العلاج الناجع في معاملة الناس
(ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون)، وصية بالصبر عند الغضب والعفو عند الاساءة، فقد ارشد الله الى إحاطة علمه بأحواله وأنه عالم بأعدائه ويعلم ما تعانيه وأنك صابر وغايتك رضا الله، والصبر من الامور العظيمة التي اخفى الله اجرها، ومن كان يرى في الدنيا صعابا فليقرأ سيرة نبيه صلى الله عليه وسلم والاذى الذي لقيه النبي صلى الله عليه وسلم عظيم، (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين) أمره الله ان يستعيذ من الشياطين لأنهم لا تنفع معهم الحيل ولا ينقادون بالمعروف، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»، (وأعوذ بك رب ان يحضرون» أي في شيء من أمري ولذا أمر الله بذكره سبحانه في ابتداء الامور وذلك لطرد الشيطان، (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون) يخبرنا الله عن حال الكافرين عند معاينة العذاب وحالهم عند الاحتضار، عند ذلك يسألون الرجعة الى الدنيا ليصلحوا ما افسدوه، (كلا) العرب تعرف معاني الالفاظ وهي كلمة ردع وزجر، يقول الله لهم كلا، من يريد الرجعة انما هي كلمة هو قائلها يتفوه بها الكافر ظنا انه ينجو من عذاب الله ولكن اذا عاد الى الدنيا عاد لكفره، (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم) يخبر الله تعالى انه اذا نفخ في الصور نفخة النشور وقام الناس من القبور فلا تنفع الانساب يومئذ ولا يرثي والد لولده ولا يلوي عليه، الكل مشغول بنفسه، فلا أنساب بينهم ولا يتساءلون.
إشارات قرآنية تدل على عذاب القبر
قوله تعالى: (ولو ترى اذ الظالمون في غمرات الموت... الآية) الأنعام: 93، ساقها البخاري بأن هناك عذابين يصبهما في الدنيا وفي الآخرة وقال الطبري إن أغلب المرتين عذاب القبر في قوله تعالى (سيعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب يوم عظيم) (التوبة: 101).
والآية الثالثة واضحة وهي حجة أهل السنة (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب)، قال القرطبي: هذا العرض يكون في البرزخ وهو حجة على عذاب القبر، قال تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) إبراهيم: 27، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا اقعد المؤمن في قبره أتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله (يثبت الله الذين آمنوا بالقول....).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تعوذ من عذاب القبر. وقال صلى الله عليه وسلم: «أوحي الي أنكم تفتنون في القبور قريبا من فتنة الدجال».
ثلاثة أعمال لم يُحدد أجرها
أعمال عظيمة ولعظم أجرها لا تدخل الموازين يوم القيامة وهي:
1 - الصبر: قال تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) لم يحدد الأجر.
2 - العفو عن الناس: قال تعالى (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) ولم يحدد الأجر.
3 - الصيام: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» لم يحدد الأجر. وينادي مُناد يوم البعث أين الذين أجرهم على الله؟ فيقبل الصابرون والصائمون والعافون عن الناس.
الاستعاذة
كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الشيطان، وكانت له مواطن خاصة يستعيذ فيها من الشيطان منها:
عند قراءة القرآن الكريم (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله)، وعند دخول المسجد كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا دخل المسجد تعوّذ من الشيطان، وأيضا عند الخروج من المسجد وعند الصلاة وعند الإحساس بنزغات الشياطين (واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله)، وعند الغضب، وعند التباس القراءة أثناء الصلاة، وإذا نزل بأي مكان جديد عليه، وعند سماع نباح الكلاب ونهيق الحمير.