لايزال الدولار الأميركي يشكل الجزء الأكبر من احتياطيات البنوك المركزية في العالم ويسيطر على تعاملات الشركات والمستثمرين وحتى تجار المخدرات في جميع أنحاء العالم، فالدولار ليس فقط العملة الاحتياطية الأولى في العالم وأحد الملاذات الآمنة، ولكنه أيضا العملة الرئيسية التي تتم بها أغلب المعاملات غير المشروعة.
استياء العالم من «سطوة الدولار» لايزال مستمرا ليومنا هذا، رغم التصريحات الدولية المناهضة، حيث قال الرئيس الفرنسي السابق «نيكولا ساركوزي» حين كان يشغل منصب وزير المالية «إن أي دولة تحاول العيش بما يفوق إمكانياتها سوف تضطر إلى تخفيض قيمة عملتها وطباعة المزيد من المال لدفع فاتورتها، وخفض الإنفاق، وتحمل عواقب التضخم الذي سيلي تلك الإجراءات»، وفقا لـ«أرقام».
وتابع ساركوزي قائلا: «ولكن الولايات المتحدة لم تضطر أبدا للجوء إلى هذا الخيار المرير، وذلك لأن بقية العالم بحاجة إلى الاستمرار في شراء الدولار من أجل التعامل التجاري فيما بينها».
كما ان صعود الدولار إلى رتبة العملة الأكثر أهمية في العالم محتلا مكان الإسترليني الذي لطالما عكس الهيمنة الاقتصادية التاريخية لبريطانيا، لم يكن بطيئا أو تدريجيا كما يعتقد البعض، بل على العكس، كان سريعا على نحو مدهش.
وتجاوز الدولار الأميركي الإسترليني في الأهمية الدولية بحلول عام 1925، ولعبت الحرب العالمية الأولى دورا كبيرا في ذلك، تجاوزت أميركا بريطانيا لتصبح أكبر قوة اقتصادية في العالم في سبعينيات القرن التاسع عشر، ولكن نظامها المالي كان ضعيفا، حيث لم يكن باستطاعة بنوكها فتح فروع لها بالخارج، ولم يكن لديها بنك مركزي، وهو ما أثر سلبا على الاعتماد الدولي على الدولار في ذلك الوقت.
وتغيرت الأمور مع إنشاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي في عام 1913، مما وفر نوعا من الاستقرار للنظام المصرفي الأميركي، وبالتدريج وسع الفيدرالي نفوذه في النظام المالي العالمي، لتتسارع هجرة النشاط المالي الدولي من لندن إلى نيويورك، ومن الإسترليني إلى الدولار.
هل سيلقى الدولار نفس مصير الإسترليني؟ هذا سؤال شائع داخل الكثير من الدوائر الجيوسياسية. ففي نهاية المطاف، إنها مسألة وقت فقط قبل أن يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي للصين نظيره لدى الولايات المتحدة.
لكن ما لا يدركه كثيرون هو أن المكانة الدولية التي يتمتع بها الدولار تعتمد على أكثر بكثير من مجرد الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، حيث إنها في الحقيقة نتاج خليط معقد من العلاقات الإستراتيجية والعسكرية، والقوانين والمؤسسات، وفقا لما أشار إليه «باري إيتشنجرين» أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا في بيركلي في كتابه «امتياز باهظ الثمن: صعود وهبوط الدولار ومستقبل النظام المالي العالمي».
ورغم انخفاض حصة أميركا من الناتج العالمي، إلا أن العالم لايزال مرتكزا على الدولار، وهذا ربما يرجع بشكل رئيسي إلى إحجام الأطراف الرئيسية في الحرب العالمية الثانية عن محاولة منافسة الدولار عقب انتهاء الحرب. كما ان اليابان، رفضت الاستخدام الدولي للين خوفا من ارتفاع قيمته، وهو ما سيلحق الضرر باقتصادها المعتمد على التصدير.
وفي الغرب، أثر وجود الجيش الأحمر الروسي على حدود ألمانيا الغربية سلبا على المارك الألماني. ولكن على أي حال، لطالما اعتبرت ألمانيا دعمها للدولار جزءا أساسيا من تحالفها العسكري مع أميركا.
لا يعتقد «إيتشنجرين» أن الدولار قد يلقى مصير الإسترليني قريبا، وإنما يرجح ظهور نظام «متعدد الأقطاب» للعملات الدولية، فتغير أولويات ألمانيا ومحاولتها الاقتراب أكثر من أوروبا بعيدا عن الولايات المتحدة، تسهم في تعزيز مكانة المنافس الأبرز للدولار وهو «اليورو».
ما فرصة اليوان الصيني؟
وضع الصين وعملتها المحلية اليوم يشبه إلى حد كبير وضع الولايات المتحدة قبل قرن. فالنفوذ الذي يتمتع به اليوان لا يعكس أبدا أهمية ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وذلك لأن الصين مثلها مثل اليابان أحجمت عن تدويل عملتها خوفا من ارتفاع قيمتها وتأثر صادراتها سلبا.
الصين بدأت مؤخرا تتخذ بعض الخطوات على طريق تحرير قيمة عملتها، ولكن على الأرجح سيستغرق الأمر عقودا قبل أن يتمكن اليوان من منافسة الدولار على قيادة النظام المالي العالمي.