بيروت ـ جويل رياشي
«نعيش في لبنان على حافة الحرب باستمرار.. هذا هو تاريخنا المعاصر»، خلاصة ينتهي إليها الروائي والصحافي الياس خوري خلال لقاء جمعه بعشرات المهتمين بالشأن الثقافي في «بيت بيروت» المثقل بأهوال ذاكرة الحرب الأهلية، ولكنه فتح هذه الخلاصة على احتمال «إنهاء الحرب من خلال النضال لإلغاء البنية الطائفية المتحكمة بالسياسة والمجتمع»، مؤكدا ان السؤال يجب ان يكون: «كيف نريد ان تنتهي هذه الحرب؟»، والاجابة عنه هي أساس المعادلة.
أتى اللقاء مع خوري، الذي أدارته أستاذة الأدب العربي في الجامعة الاميركية في بيروت زينة الحلبي، في إطار احتفالية الصندوق العربي للثقافة والفنون - «آفاق» بعيده العاشر، وكان التركيز في بدايته على رمزية «بيت بيروت» وأهميته، كونه من الأماكن القليلة التي بقيت «من ذاكرة الماضي»، وقد أعاد خوري الفضل الأكبر في استبقائه مركزا للذاكرة يستضيف اليوم معارض وفعاليات ثقافية تنسجم مع روحيته ودماره «المرمم» للمعمارية والناشطة منى الحلاق.
واسترجع خوري ذكريات النضال من أجل هذا البيت المعروف أيضا بـ «مبنى بركات» وهو يقع في محلة السوديكو، حيث خطوط التماس الشهيرة إبان الحرب، وقال: «ربما قد نكون فهمنا خطأ عندما كنا نناضل من أجل هذا البيت، اتهمنا بالحنين والوقوف على الأطلال وكأننا لا نريد الحداثة والإعمار، والحقيقة اننا مقتنعون بأن شرط بناء الحاضر والمستقبل هو بحماية ذاكرة مدينتنا من الاندثار، نحن دعونا الى المحافظة على الذاكرة كي لا ننساها، يجب ان تبقى، يجب ان تسجل كي نستطيع ان ننساها ونفتح صفحة جديدة».
من جهة أخرى، تحدث عن «فشل الثورات العربية الذي قاد الى حروب، ليس فقط أهلية بل بين قوى خارجية متعددة»، وقال: «تبين ان الحرب اللبنانية لم تكن سوى صورة مصغرة ومهذبة لما يحدث الآن من حولنا، الهمجية من حولنا تفوقت بأشواط على همجيتنا».
وعن انعكاس ذلك في الأدب والفنون والرواية خصوصا، قال: «انفجار المنطقة، اليأس والفشل والشعور بأن إرادة التغيير لم تلق أدواتها المناسبة، قد يكون أدى الى إعادة نظر في الأعمال الفنية والأدبية، علما انه أصبح لدينا في لبنان رواية خلال الحرب الأهلية وبعدها، كان لدينا روائيون ولكن لم تكن هناك بنية أدبية روائية متكاملة، الحرب كسرت التابو، فنشأت الرواية، ونحن الآن في مشرق عربي تحطمت فيه كل التابوهات، حتى في فلسطين، الأدب بدأ يأخذ طابعا مختلفا يحفل بحياة الناس اليومية، اما في سورية فهناك نهضة روائية كبرى، للأسف النهضات تولد من المآسي».
وأضاف: «المجتمعات لا يمكنها ان تعيش بلا قصة (فن، أدب، رواية...) تماما مثلما الإنسان لا يمكنه ان يعيش من دون مرآة، والحقيقة ان الواقع يفرض علينا تغيير أشكال السرد، إذا أردنا ان ننتج أدبا ملائما للتحولات فيجب ان ننتج أشكالا جديدة، وإلا فنحن نغطي على المأساة او التجربة الإنسانية بأقنعة أيديولوجية».
وعن الالتزام الأدبي او الفني، قال: «المثقف وظيفته ان يخدم ضميره، كما يقول ادوارد سعيد، انا اكتب لأعبر عن ضميري، أما موقفي السياسي فأعبر عنه في المقال وليس في الرواية، ولكنني مقتنع مثلا ان الحرب الأهلية اللبنانية سنفهمها اكثر من خلال الرويات منها في كتب المؤرخين، الفن والأدب يجب ان يقدما معرفة، والا كانا بلا معنى».
وردا على سؤال حول دور المثقفين في هذه المرحلة، قال: «أصوات المثقفين لم تعد مسموعة، او انها لم تكن يوما مسموعة، ربما كنا نعيش في وهم ان أصواتنا مسموعة، واعتقد ان الصوت ليكون مسموعا، يجب ان يكون لديه الوعاء الاجتماعي المناسب لاستيعابه».