سورة النور من سور التزكية في القرآن، تطهر المجتمع، وتطهر النفس، وتطهر القلب، والله عز وجل من اسمائه انه الرب الذي يربينا ويزكينا ويطهر قلوبنا، وكل ما جاء في السورة نور في المجتمع، ونور في الإنسان، يحرص على تزكية نفسه وقلبه وأعماله، سورة تؤكد عظم ما تضمنته من احكام فرضت على الأمة، بدأت السورة بالحدود وفي ثناياها الآداب، فلما ذكر الله تعالى حد الزنا وبين استواء الرجل والمرأة فيه وبين عظم هذا الجرم والفساد الذي ينشأ من ورائه ورتب الله عقوبة عظيمة على من أساء للمحصنات دون ان يأتي بالشهود، وحرص الله ان يجعل من أهل الإيمان أناسا اتقياء ألفاظهم تعدل أعمالهم، وقد شدد الله على اللفظة في القرآن فقال (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ) مع ان لفظ الراعي لا بأس به.
الإشاعات الكاذبة
(يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين) اياكم ان تستهينوا بالأقوال، بعض المسلمين يتلقون هذا الكلام ويعيدونه، والمصيبة ان الناس تغتاب وتتهم في اعراضها وانسابها وتأتينا الأخبار وننشرها وتكون الاشاعة، والله يعظكم وينصحكم بذلك (إن كنتم مؤمنين) فالإيمان الصادق يمنع صاحبه من الاقدام على المحرمات والقاعدة في الاسلام حسن الظن بالمسلمين، لابد من اليقين حتى ينتقل المسلم من سوء الظن الى حسن الظن.
(ويبين الله لكم الآيات) ما ترك الله لنا شيئا إلا بينه في القرآن والسنّة وأوضحها توضيحا جليا بما اشتملت عليه من بيان الاحكام والوعظ والزجر والترغيب والترهيب (والله عليم حكيم) كامل العلم، كامل الحكمة، فمن علمه وحكمته ان علمكم من علمه وإن كان ذلك راجعا لمصالحكم في كل وقت.
إشاعة الفاحشة
( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا... الآية) يخبرنا الله عز وجل ان هناك أقواما مهمتهم إشاعة الفاحشة وانتشارها، هؤلاء لهم عذاب موجع للبدن والقلب وذلك لمحبة الشر لاخوانهم المسلمين فاذا كان هذا الوعيد لمجرد محبة ان تشيع الفاحشة فكيف بما هو اعظم من ذلك من إظهاره ونقله؟
كتب الفحش
وللأسف وجدت في معرض الكتاب كتبا ليس فيها إلا الفحش تحت مسمى الابداع الأدبي وهي دور نشر متخصصة لا تنشر الا الهابط، هؤلاء الذين يحبون ان تشيع الفاحشة هددهم الله بأن لهم عذابا أليما في الدنيا والآخرة والله يعلم من يريد خيانتك ويعلم من يريد نشر الفاحشة ويعلم ورعك فقد أحاط علمه كل شيء.
رحمة الله
ما زال الله عز وجل يتوب على المسلمين بالصفح والمغفرة (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم) من فضله وحلمه سبحانه لم ينزل العذاب عامة بل فتح لهم باب التوبة وبين لهم الخير وسبل الوصول اليه بعد ان بين لهم الاحكام والمواعظ والحكم الجليلة.
لماذا لم يجلد عبدالله بن أبيّ بن سلول في قصة الإفك مع انه هو الذي تولى كبره؟
يقول الشيخ العلامة ابن عثيمين - رحمه الله - : قيل: لأنه خبيث ما كان يصرح بل يأتي الى الناس ويقول اما سمعتم ما قيل في عائشة، قيل كذا وكذا وقيل: لأن الحد تطهير للمحدود وعبدالله بن أبيّ بن سلول ليس أهلا للطهارة لأنه نجس خبيث.
وقيل: لأنه لم يثبت عنه لا اقرار ولا نية.
قيل: لأن حد القذف لابد فيه من مطالبة وعائشة الصديقة رضي الله عنها لم تطالب به.
قيل: ترك إقامة الحد عليه لمصلحة تآلف قومه، وقد يكون تركه بسبب كل ما سبق.
كرامة أهل البيت
أنزل الله عز وجل قرآنا يبرئ السيدة عائشة رضي الله عنها من فوق سبع سماوات عندما اتهمها المنافقون في المدينة بالزنا واشاعوا ذلك بين الناس فأنزل الله تعالى براءتها (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20)
قال ابن عباس رضي الله عنهما لأم المؤمنين حين عادها وهي على فراش الموت: «كنت أحب نساء النبي صلى الله عليه وسلم إليه: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الا طيبا.. وأنزل الله براءتك من فوق سبع سنوات، فليس مسجد يذكر الله فيه الا وشأنك يتلى فيه آناء الليل وأطراف النهار.