- صنف لا يرى للوطن حرمة ولا للوطنية احتراماً بل المصلحة المالية الشخصية مقدمة عليهما
- الأكثر خطورة من يردد أن الولاء والبراء يتناقض وحب الوطن واحترام الوطنية
- حب الوطن والحفاظ عليه قرين حب النفس والخوف عليها من الهلاك
- آيات القرآن الكريم تؤكد على أن حب الوطن فطري
أكد رئيس رابطة علماء الشريعة لدول مجلس التعاون الخليجي والعميد السابق لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية د.عجيل النشمي أن مفهومي الوطن والوطنية قد وقع فيهما لغط كما وقع لبس وتداخل في تحديد الحقوق والواجبات، كما وقع فيهما لغط وخلط في معناهما بين الإفراط والتفريط دون حد وسط واعتدال، حول معنى الوسطية في الوطن والوطنية في القرآن الكريم كان هذا الحوار:
كيف ترى الخلط في معنى ومفهوم الوطن والوطنية؟
٭ من الناس من جعل الوطن أرضه المقدسة دون سواه، والوطن عقيدة تربط بين أبناء الوطن ولا رابط بينهم سواها، فأنتج ذلك حبا أعمى وتعصبا قوميا وعرقيا مقيتا، جعل هؤلاء ينظرون الى الناس وكأنهم جنس آخر أعلى وأنقى، وفي الجانب الآخر هناك صنف من الناس من لا يرى للوطن حرمة ولا للوطنية احتراما، بل المصلحة المادية الشخصية مقدمة عليهما، المهم ان يتضخم رصيد الملايين ولتذهب الوطنية حيث تموت، وهذا صنف قد يهون أمره ولا يهون، ولكن هناك صنفا اكثر خطورة من أولئك أناس مسلمون هم من جلدتنا ويتكلمون بلساننا يرون ان الولاء والبراء يتناقض مع حب الوطن واحترام الوطنية من اجل ذلك ولهذا كان تحديد الوسطية في مفهوم الوطن والوطنية ضروريا بل بالغ الأهمية.
وكيف حدد الشرع مفهوم الوطن والوطنية؟
٭ تحديد الوسطية في مفهوم الوطن والوطنية ضروري بل بالغ الأهمية ولا يخفى علينا ان مقصود الوطن هو الأرض التي يتوطنها الشخص والمواطنة هي السلوك الذي يعبر عن حبه لهذا الوطن والالتزام بما ينميه ويصلحه ويحميه، ومن معاني الآيات القرآنية الواردة في الوطن والوطنية
ان الخروج من الوطن قهرا نصرة للدين من أعلى مراتب الإيثار، وذلك في قوله تعالى: (والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)، هذا وصف شامل للأنصار، تبوأوا الدار: أي المدينة، والإيمان من قبلهم: أي ببيعة العقبة الأولى والثانية من قبل مجيء المهاجرين، بل ومن قبل إيمان بعض المهاجرين يحبون من هاجر اليهم ويستقبلونه بصدور رحبة، ويؤثرون غيرهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، لأنهم هاجروا اليهم، وظاهر النصوص يدل بمفهومها ان غيرهم لم يشاركهم في هذه الصفات، ولكن في الآية الأولى ما يدل على مشاركة المهاجرين الأنصار في هذا الوصف الكريم، وهو الإيثار على النفس، لأن حقيقة الإيثار على النفس هو بذل المال للغير عند حاجته مقدما غيره على نفسه، وهذا المعنى بالذات سبق ان كان من المهاجرين أنفسهم المنصوص عليه في قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم) فكانت لهم ديار، وكانت عندهم أموال وأخرجوا منها كلها، فلئن كان الأنصار واسوا إخوانهم المهاجرين ببعض أموالهم، وقاسموهم ممتلكاتهم، فإن المهاجرين لم ينزلوا عن بعض أموالهم فحسب، بل تركوها كلها، أموالهم وديارهم وأولادهم وأهلهم، فصاروا فقراء بعد إخراجهم من ديارهم وأموالهم، ومن يخرج من كل ماله ودياره ويترك أهله وأولاده، لا يكون أقل تضحية ممن آثر غيره ببعض ماله، وهو مستقر في أهله ودياره، وقد ذكر ابن كثير رحمه الله: انه صلى الله عليه وسلم قال للأنصار ما يشعر بهذا المعنى، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «إن اخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا اليكم» فقالوا يا رسول الله: أموالنا بيننا قطائع» الحديث، اي ان الأنصار عرفوا ذلك للمهاجرين، وعليه ايضا، فقد استوى المهاجرون مع الأنصار في هذا الوصف المثالي الكريم، وكان خلقا لكثيرين منهم بعد الهجرة كما فعل الصديق رضي الله عنه حين تصدق بكل ماله.
معنى هذا ان حب الوطن حب فطري؟
٭ الشاهد من الآية واضح فهي نص في ان حب الوطن فطري وانه عزيز على النفس أعز مما يملكون من الأرض والدور والمال في سبيل الله، وفيه دلالة على ان الوطن عزيز ولا يترك إلا لما هو أهم وهو إعزاز الدين ونصرته، والآية تمتدح المهاجرين ان حملهم الإيمان على ترك هذا العزيز، وهذا قمة الإيثار، فدرجة الأفضلية للمهاجرين على الأنصار هي التضحية بالوطن ومن بعد التضحية بما يتبعه.
وهل الخروج والهجرة من الوطن يتعارض مع الشرع؟
٭ ان من أخرج من وطنه يستحق نصرة الله له: وذلك في قوله تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ).
فالأصل ان المرء يعيش في وطنه معززا مكرما، ولا يخرج منه إلا بسبب يحمله على ذلك حملا إما لطلب الرزق او السعة فيه بالتجارة او طلب العلم ونحو ذلك، وأشد ما يكون ضررا وألما ان يخرج من وطنه جبرا وظلما، والنبي صلى الله عليه وسلم أخرج من بلده مكة جبرا وظلما، فخرج مهاجرا استجابة لأمر الله ونصرة لدينه، رغم ما في الهجرة من آلام نفسية، فاستحق تأييد الله له ونصرته، وهذه النصرة يستحقها كل من قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وامتثل فعله فأخرج أو خرج من أرضه نصرة وإعزازا للدين، متحملا ما في الهجرة من آلام نفسية ومادية في سبيل الله كما قال الشيخ السعدي: الهجرة: مفارقة المحبوب المألوف لرضا الله تعالى فيترك المهاجر وطنه وأمواله وأهله وخلانه تقربا إلى الله ونصرة لدينه.
إذا كان الإنسان معرضا للهلاك في وطنه فهل له ان يخرج منه؟
٭ حب الوطن والحفاظ عليه قرين حب النفس والخوف عليها من الهلاك، وذلك في قوله تعالى: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم )، واقترن في موضع آخر بالدين: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم)، فانظر كيف كادت درجة الإخراج من الأرض ان تصل لدرجة إزهاق الروح فلو ان الله أمرهم ان يقتلوا أنفسهم أو أنه امرهم ان يخرجوا من ديارهم فهو ابتلاء متكافئ لما أقدموا على أي من الأمرين، ومن ذلك مكر الكافرين بالنبي صلى الله عليه وسلم في أمور متكافئة في الظلم والجبروت من الصلب حيا او القتل او الطرد من الوطن قال تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) قال الطبري: فتأويل الكلام واذكر يا محمد نعمتي عندك بمكري بمن حاول المكر بك من مشركي قومك بإثباتك أو قتلك او إخراجك من وطنك حتى استنقذتك منهم وأهلكتهم، فامض لأمري في حرب من حاربك من المشركين وتول عن إجابة ما أرسلتك به من الدين القيم ولا يرعبنك كثرة عددهم فإن ربك خير الماكرين بمن كفر به وعبد غيره وخالف أمره ونهيه.
هل الدعاء للأوطان واجب؟ وما نص هذا الدعاء؟
٭ ان من حب الوطن الدعاء له بالأمن وسعة الرزق.
ومن ذلك قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير).
والآية نص في مشروعية الدعاء وفي تعليم المسلمين والناس عامة الدعاء لأوطانهم فهذا من واجب الوطنية، وخير دعاء الدعاء بالأمن وسعة الرزق كما دعا إبراهيم عليه السلام.
قال القرطبي: قوله تعالى: (بلدا آمنا) يعني مكة، فدعا لذريته وغيرهم بالأمن ورغد العيش، وقال الشيخ الفاضل بن عاشور: لقد كانت دعوة ابراهيم هذه من جوامع كلم النبوة، فإن أمن البلاد والسبل يستتبع جميع خصال سعادة الحياة ويقتضي العدل والعزة والرخاء إذ لا أمن بدونها، وهو يستتبع التعمير والإقبال على ما ينفع والثروة فلا يختل الأمن إلا اذا اختلت الثلاثة الأول وإذا اختلت الثلاثة الأخيرة، وانما أراد بذلك تيسير الإقامة فيه على سكانه لتوطيد وسائل ما أراده لذلك البلد من كونه منبع الإسلام.