ستيفن سبيلـــبرغ ليس فقط واحدا من أشهر وأنجح المخرجين في هوليود، ولكن من أذكاهم وأكثرهم موهبة، ففي السبعينيات عند بداية مسيرته الفنية، كانت الموجة السائدة والقوية هي تقدير سينما المؤلف والتي تميل للذاتية، فقرر هو أن يثبت نفسه بأفلام تشويق وإثارة تعتمد على المؤثرات البصرية والأفكار الخيالية، مثل «الفك المفترس»، و«ET»، ولكن استطاع أن يحول هذا النوع من الأفلام لسينما شخصية تماما فيقدم هواجسه وآلامه النفسية من خلالها.
وفيلم «The Post» دليل على شدة ذكاء سبيلبرغ، فقد قرر اللعب بكل الأوراق الرابحة، فمعه طاقم تمثيل يضم قطبين من أشهر ممثلي هوليود توم هانكس وميريل ستريب، وقصة تلعب على وترين حساسين، الأول الهجوم على المؤسسات السياسية الأميركية، وهو أمر يلاقي كل الترحيب الآن واتجاه سائد، خصوصا مع رئاسة ترامب للولايات المتحدة، والثاني هو التركيز على شخصية نسائية رائدة في الصحافة الأميركية، ووجودها في حد ذاته في ذلك الوقت سبق كبير، في إشارة واضحة الى الحركة النسوية القوية هذه الأيام بهوليود.
تدور أحداث الفيلم في أروقة الصحافة في السبعينيات، حيث لا زال الحديث عن حرب فيتنام مشتعلا، خاصة بعد تسريب وثائق هامة دونت فيها أسرار كثيرة تم التعتيم عليها من قبل الحكومات المتتالية، وتنافس «التايمز» و«الواشنطن بوست» على نشر هذه الوثائق مع حرب ضروس من قبل الحكومة على عدم نشرها بالطبع.
الشخصيتان الأساسيتان في الواشنطن بوست هما كاي غراهام أو كاثرين غراهام التي عرفت بأول حرف من اسمها (K) وجسدتها ميريل ستريب، وهي الوريثة للجريدة بعد انتحار زوجها، فقد كان من غير المنطقي أو المعقول أن تقوم امرأة بهذا الدور، ولكن غياب ورثة آخرين جعل العبء يقع على عاتقها لتصارع طوال الفيلم شكوك الآخرين وشكوكها هي شخصيا في نفسها وخوفها الدائم من كونها ليست لديها المقومات الكافية لأداء وظيفتها بالصورة الصحيحة.
أما الشخصية الثانية فهي بن برادلي (توم هانكس) مدير تحرير الجريدة، لديه رغبتان متصارعتان بين نشر الوثائق وتحقيق السبق الصحافي وكتابة اسم جريدته واسمه بالطبع في تاريخ الصحافة، وتدفعه للتراجع علاقة الصداقة السابقة التي جمعته مع الرئيس الراحل كيندي، والذي تدينه بعض من هذه الأوراق.
شارك في كتابة الفيلم جوش سينغر صاحب فيلم «Spotlight» الذي عرض عام 2015، وكان يدور ايضا في عالم الصحافة حول عملية فضح الإيذاء الجنسي الذي يتعرض له الأطفال من القساوسة، ويعاني فيلم «The Post» من ذات عيب الفيلم الذي يسبقه وهو الإيقاع البطيء الذي يفقد المشاهد متعته، بل يجعله تائها يبحث عما يتحمس له، وقد ظهر هذا بشدة في النصف الأول منه، لكن استطاع سبيلبرغ بث الكثير من الحياة في النصف الثاني، خاصة مع التصاعد الدرامي للأحداث، وتألق ميريل ستريب، ولم يمنع ذلك أن تكون نقطة ضعف الفيلم الرئيسية هي النص المتخم، والمباشرة الشديدة في الخطاب، سواء عند الحديث عن حرية الصحافة وأهميتها وقوتها، أو دور رئيسة تحرير الواشنطن بوست كاي غراهام، كأول سيدة تستلم منصب بهذه الأهمية، والتحديات التي تمر بها كسيدة، لنجد لدينا مشهدين متتاليين يتم فيهما تكرار ذات الكلام تقريبا الأول بين برادلي «توم هانكس» وزوجته توني «سارة بولسون»، والثاني بين كاي «ميريل ستريب» وابنتها، وكان من الممكن حذف الأول تماما، لأنه بالإضافة لكونه مكررا، فهو كذلك لم يكن مبررا دراميا أبدا.
استطاع سبيلبرغ استخدام الأوراق الرابحة التي ذكرناها في البداية ببراعة، فقام بالتركيز على سقطات الرئيس الأسبق نيكسون وغيره من الرؤساء المتورطين في حرب فيتنام، في إشارة واضحة ومباشرة لدونالد ترامب ويستطيع المتفرج العادي أن يستنبطها، مع التركيز على دعابات ومقارنات ذكية تجعل المشاهد لا ينسى الغرض الأساسي من الفيلم تقريبا طوال الأحداث، وأيضا تم التركيز على شخصية كاي غراهام سواء ضمن رسم الشخصيات، حيث كانت هي الأكثر تعقيدا وتطورا، ففي كل مشهد لستريب كنا نشاهد حركة كاميرا مختلفة سواء قريبة منها لإبراز مشاعر الخوف والقلق على ملامحها حينا، أو الحركة الدائرية من الأعلى في المشاهد التي ينتابها فيها الحيرة والتمزق ما بين القرارات الحتمية التي يجب أن تقوم بها في الحال.