(فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين ـ سورة المائدة: 30 و31).
هنا يطرح القارئ المتفكر سؤالا: لماذا اختار الخالق العليم غرابا، من بين كل الكائنات، ليكون المعلم الأول للإنسان في دفن موتاه؟ كان على البشر الانتظار عشرات آلاف السنين كي يحصلوا على إجابة علمية عن هذا السؤال.
ويسترفيلد الغربان!
لقد حملني البحث عن إجابة إلى التواصل مع جون ويسترفيلد عالم الطيور المتخصص لأكثر من 40 عاما في نوع واحد من الغربان ضمن أسرة الغراب الأميركي American Crow/ Family Corvidae، وقد كان العالم متعاونا إلى أبعد الحدود، فأوصاني بقراءة واحد من كتبه عن نوع معين داخل الأنواع المكونة لهذه الأسرة والذي يعيش في منطقة معينة من ولاية مينوسوتا الأميركية Minnesota حيث يعيش قريبا من غابة مكن له موقع سكنه من ملاحظة سلوك الغربان على مدى عقود متصلة.
تحدثنا عن الآية القرآنية وأن النص هنا على الغراب لا بد أن تكون له دلالة خاصة بهذا الطائر. وكانت ثمرة الاتصالات كمية من المعلومات عن «أذكى الطيور على الإطلاق»...الغراب ألخصها فيما يلي:
خبرة في الجينات!
إن وجود الغراب سابق على وجود الإنسان بـ 55 مليون عام! ومن الطبيعي أن يراكم الغراب في جيناته خبرات هائلة تتوارثها أجياله إلى اليوم.
ولكن هذا ليس كل شيء!
ذكاء مميز!
وجد العلماء أنه من بين 10.000 نوع من الطيور على الأرض، يتميز الغراب عنها بأكبر حجم لنصفي المخ. هو «أذكاها» على الإطلاق، بل إن ذكاءه يتساوى مع ذكاء الأطفال، والشمبانزي، أعلى القردة ذكاء. وقد أخبرني ويسترفيلد من ملاحظاته المباشرة أن الغراب أنه يلقي بما لا يستطيع كسره من جوز الهند والأصداف البحرية والمكسرات على الطرقات لتقوم السيارات بكسرها له! يلقيها ثم يرقبها من منطقة الأمان خارج الطريق وما ان تنكسر حتى يهرع إلى الثمرة ليفوز بما فيها!
هذا سلوك اختياري قائم على تخطيط وتدبير لحل مشكلة معينة.
ذاكرة قوية!
حكى لي ويسترفيلد أنه قد قام بتجربة مثيرة على حدود الغابة بالقرب من المنطقة السكنية التي يقطن فيها، فقال ان الغربان القريبة منه قد أصبحت تألفه ويألفها وصارت تعرفه بمجرد أن تراه وتتصرف بشعور غامر بالأمان، لكنه قرر يوما اختبار إمكانية تغيير ملامحه ليرى رد فعل الغربان على وجود شخص لا تعرفه أو إذا ما كانت لا تعي الفارق بينه وبين ملامح مختلفة في منطقتها وبيئتها الخاصة بها Habitat.
اشترى قناعا بلاستيكيا وخرج في الصباح الباكر إلى حيث تتجمع الغربان التي ألفته على مدى سنوات، فقام أحد الغربان الصغار بإصدار صوت مميز كما لو كان بوق إنذار للمجموعة، وعلى نحو مفاجئ واستكمالا للتجربة خلع ويسترفيلد القناع أمام الغربان المتجمعة، فأصدر قائدها، وليس الغراب الصغير، صوتا ينم عن الرضا والعودة للحالة الطبيعية مع هذا المخلوق الذي يعرفونه حق المعرفة.
جامع الخبرات
تعلم الغراب من صيادي الأسماك كيفية الصيد باستخدام طعوم من الخبز. هذا ما لاحظه ويسترفيلد أيضا. وقد صور مراقبة الغربان لهؤلاء الصيادين على مدى أسابيع وكانت تبدو للمراقب أنها غير مهتمة ولكنها في الحقيقة كانت تتابع تفاصيل الصيد وتنسخ الحركات البشرية بمنقارها القوي حتى تمكن يوما من تسجيل قيامها بالحركات نفسها حتى نجحت في صيد الأسماك!
كما انه يتميز بقدرة فريدة على صناعة أدوات حجرية يستخدمها في التنقيب عن الحشرات في شقوق الأرض للتغذي عليها، بل إنه يصقل غصن شجرة صغيرة ويستخدمه كمثقاب في الأرض للغوص بمنقاره إلى ما هو أبعد مما قام بحفره.
كائن مكير منظم
اطلعت على عدد من التجارب العملية التي أيدها ويسترفيلد والتي تثبت أن الغراب طائر حذر مكير يستشرف الكمائن. ومن تلك التجارب أنه وضع له طعاما في قفص مفتوح بباب مرتبط بنظام هيدروليكي بسيط يتحرك لينغلق إذا ما لامس منقاره الطعام.
لم يسارع الطائر الجائع ليلتقط الطعام ولكنه التقط غصن شجرة صغير بمنقاره ودفع به الطعام ليسقط الباب على الغصن وليس على منقاره!
وهناك تجربة أخرى تتضمن القيام بثماني خطوات معقدة قد لا يستطيع طفل في العام الثاني من عمره الربط بينها لكي يحصل في نهايتها على الطعام.
وكان أداء الغراب مذهلا حقا فقد نجح في ترتيب الخطوات وفق ما خطط له منظمو التجربة تماما وفاز بقطعة اللحم الطرية في نهاية الأمر.
ومن ملاحظات ويسترفيلد أن الغراب يعرف مسبقا موعد هطول المطر، وهي ملاحظة كانت تساعد ويسترفيلد على التعامل مع هطول المطر.
وكان من أهم ما لاحظه ويستيرفيلد مباشرة هو الكيان الجماعي الذي تشكله الغربان في كثير من أنشطتها. فهي تبني مجتمعات منظمة تشارك في أنشطة جماعية كالصيد والدفاع والهجوم واللعب.
وعندما سألته عن أعجب ما يقوم به هذا الكيان الجمعي، أفاد بأنه لاحظ وسجل أن للغربان محاكم تحاكم المعتدي واللص والمغتصب من داخل الجماعة، فيساق الجاني ويحاكم وفقا لجريمته، فإذا كان الحكم بالإعدام انهال عليه الجميع ضربا بالمناقير حتى الموت، ثم يقوم غراب بحفر حفرة تناسب حجمه، ثم يدفنه ويهيل التراب عليه.
لهذا بعث الخالق العليم غرابا ليعلم الإنسان- المفتقر إلى الخبرة الحياتية التي اختزنها الغراب من قبله ـ دفن موتاه.