لم أكن أتوقع أن ثمة عددا ليس بالقليل ممن يمارسون كتابة المصحف من الخطاطين، وأن لديهم طقوسا وأدبيات أثناء كتابة المصحف، ولو أدركت الإمام السيوطي رحمه الله لطلبت منه أن يضيف نوعا ضمن كتابه (الإتقان في علوم القرآن) يتعلق بخط المصحف، وتاريخه، والآداب المتعلقة به، إضافة إلى سيرهم.
لم أكن أعرف من خطاطي المصاحف سوى عثمان طه، نظرا لكون مصحفه يوزع علينا مجانا من قبل وزارة المعارف آنذاك، وذلك ضمن مقرر القرآن الكريم في جميع المراحل الدراسية في المملكة العربية السعودية، فكنت اقرأ في الصفحة الأولى من المصحف (نال شرف كتابته الخطاط عثمان طه).
في سنة (1427هـ-2007م) تواصلت مع الخطاط السعودي الكبير المحبوب ناصر الميمون صاحب الخلق الراقي، والتواضع الجم، الذي يدهشك بسرده الرائع عن تاريخ الخطاطين السابقين، وحفظه لتواريخ ولاداتهم ووفياتهم، وعن أدبياتهم في تعاملهم مع كتابة المصحف، ورحلاته التي التقى من خلالها مع أساطين الخط العربي في القاهرة أمثال سيد إبراهيم، ومحمد عبدالقادر، فطرحت عليه سؤالا: هل ثمة خطاطون في هذا العصر؟ فأرسل لي ورقة كتبها عبر الفاكس ـ حيث لا واتساب وقتها ولا أجهزة ذكية ـ بخط الرقعة الآسر وما زلت أحتفظ بها تحوي أسماء لعدد من خطاطي المصاحف في العالم الإسلامي، فكانت هذه الورقة هي النافذة التي من خلالها نفذت إلى عوالم الجمال والإبداع.
بدأت بالتحضير للبرنامج الوثائقي (خطاطون في رحاب النور) فرسمت خطة وقررت أن يكون سلسلة تتكون من عشر حلقات تقع الواحدة منها في خمس وعشرين دقيقة، فحزمت حقيبتي ويممت وجهي نحو دمشق التي كانت تعج عبر التاريخ بكبار خطاطي المصحف الشريف، كخالد بن أبي الهياج الذي أعجب الخلفاء بخطه للمصحف، حتى أن الخليفة عمر بن عبدالعزيز طلب منه أن يكتب مصحفا تفنن في خطه، فقبله واستحسنه إلا أنه استكثر ثمنه فرده عليه كما تقول الرواية.
وكذلك كمال الدين ابن العجمي، وابن أسد النجار، وابن بصيص الذي كتب في آخر عمره مصحفا بالذهب الخالص.
لقد كانت رحلتي إلى الشام من أمتع الرحلات في حياتي ظفرت من خلالها بالعديد من اللقاءات والفوائد، والقصص والتجارب التي صنعتني وجعلتني شخصية جديدة.