دعا الإسلام في مصدريه الأساسيين القرآن والسنة إلى استعمال الفكر والعقل في جميع أمور الدنيا والدين، للتحرر من ربقة التقليد الأعمى للآباء والأجداد في بناء العقيدة، والاهتداء إلى الحق الذي لا يقبل الله سواه، وإثبات استقلال الذات أو الشخصية، ولتحمل مسؤولية الإنسان قراره في اختيار الطريق السوي أو المعوج، ومن أجل بناء الحياة الإنسانية وتقدمها، وعمران الكون، وبقاء النوع البشري القوي، وذلك في نصوص قرآنية كثيرة تدعو إلى إعمال الفكر والعقل وتفعيل دور العلم في نواحي الكون، وقد تستعمل في القرآن بدلا من لفظ الحضارة تعابير القلب، والبصيرة، والبصر، والسمع، والفؤاد ونحوها من مفاتيح المعرفة، مثل قول الله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب - آل عمران: 190) وقوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور - الحج: 46).
وإعمال الفكر والعقل ظاهرة شائعة في نهايات كثير من آيات القرآن الكريم، قال تعالى: (كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون - الروم: 28)، (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون - النحل: 12).
وأكدت السنة النبوية قولا وفعلا على ترجمة هذه الظاهرة إلى واقع عملي في أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا».
والجدير بالذكر أن بعض علماء الإسلام قسموا الحرية إلى نوعين:حرية البهائم، وحرية الإنسان.
فحرية البهائم هي الحرية المطلقة لنيل الشهوات الحيوانية وحرية لتكميل النزعات البهيمية.
كما قال العلامة المفسر السيد رشيد رضا نقلا عن أستاذه وشيخه محمد عبده: «وليست سعادة الإنسان في حرية البهائم بل في الحرية التي تكون في دائرة الشرع ومحيطه.
فمن اتبع هداية الله، فلاشك أنه يتمتع تمتعا حسنا، ويتلقى بالصبر كلما أصابه».
هذه هي الحرية الحقيقية ذات الأبعاد المتعددة التي دعت إليها الشريعة الإسلامية، فالحرية كل الحرية في الالتزام بأوامر الخالق.
والحرية الحقيقية في التقيد بقيود الأخلاق. والحرية الدائمة في البقاء داخل حدود العدل والروحانية التي جاءت بها الشرائع وأصول الدين.
أما الحرية المزعومة التي تطغى على كل هذه الاعتبارات فهي من الابتكارات الإبليسية والإبداعات الشيطانية التي ظهرت في الحضارة الغربية، على حد تعبير الشاعر الإسلامي والمفكر الكبير محمد إقبال، ولا تعني الحرية هذه انطلاقا بلا حدود ولا ضوابط، إذ لو كانت كذلك فهذه الفوضى ذاتها، فليست هذه حرية إن أضرت بالآخرين، بل لا يملك الفرد أن يضر نفسه باسم الحرية، فالإنسان لا يملك نفسه وجسده على الحقيقة، ولذا حرم عليه إتلاف نفسه وإهلاكها فكان الانتحار حراما، وكذا قطع أي عضو من أعضاء نفسه دون مبرر حرام.
وذلكم قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين - البقرة: 195)، وقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما - النساء: 29)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى خالدا مخلدا فيها أبدا»، وهذا من الفوارق بين نظرة الإسلام للإنسان وحريته، ونظرة المذاهب والنظم والفلسفات الأخرى، حيث أطلقت للإنسان حريته باسم الحرية الشخصية، فيطلق العنان لشهواته ورغائبه وإن أضرت بنفسه وقيدها فقط حين يتعدى الضرر إلى الغير، أو تتعارض حريته الشخصية مع حرية الغير، فقالوا: حرية كل شخص تنتهي عند حرية الآخرين وهذا مفهوم خاطئ من حيث الحصر.
كما ربط الإسلام بين الحرية الشخصية والواجب، وجعل بينهما تلازما محكما، فالواجب قرين الحرية، فما لك من حق يقابله ما يلزمك من واجب تجاه الآخرين، وتجاه نفسك بل تجاه الكون كله، فقد سخر الله للإنسان ما في السماوات وما في الأرض، وجعل الإنسان مستخلفا في الأرض، ولم يجعل هذا الاستخلاف فوضى، بل حده بحدود أهمها أن يعمر هذه الأرض بالخير لا بالشر، وأن يقيم العدل ويحكم بالقسط، ومن أجل تقييد وترشيد حرية الإنسان أرسل الله الرسل والأنبياء لتستقيم للإنسان حريته وأعلاها تحقيق العبودية لله عز وجل، وهذه على التحقيق هي الحرية، حرية النفس والقلب، لأنها تحقق غاية الوجود في هذا الكون، فالعقيدة ليست قيدا، وإنما هي السياج الذي يحمي المسلم ويصون حريته.