قال ابن الجوزي، رحمه الله، في «صيد الخاطر» (44): «من عاين بعين بصيرته تناهي الأمور في بداياتها، نال خيرها، ونجا من شرها، ومن لم ير العواقب غلب عليه الحس، فعاد عليه بالألم ما طلب منه السلامة وبالنصب ما رجا منه الراحة».
قلت: إن من أعظم الأسباب التي تمنع من التصرفات الخطأ تدبر الأمور ومعرفة عواقبها، فإذا فكر المرء في الأمور، وعرف بداياتها ونهاياتها ووضعها في مواضعها فسيعلم ما يترتب عليها من نتائج سيئة او حسنة، والعاقل اذا ورد عليه وارد الذنب والشهوة، وتجاوز فكره لذة وفرح النفس به الى سوء عاقبته، وما يجره عليه ذلك الذنب من الألم والحزن الذي يفوق تلك اللذة والفرحة من حيث ذهاب المتعة ودوام الألم والندم فإنه سالم، ومن فكر في ذلك فإنه لا يكاد يقدم عليه وبالأخص اذا استحضر مقام ربه، وكذلك اذا ورد على قلبه وارد الراحة والدعة والكسل والتقاعد عن مشقة الطاعات وتعبها حتى عبر بفكره الى ما يترتب عليها من اللذات والخيرات، والافراح التي تغمر تلك الآلام في مبادئها بالنسبة الى كمال عواقبها، وكلما غاص فكره في ذلك اشتد طلبه لها وسهل عليه معاناتها واستقبلها بنشاط وقوة وعزيمة، وكذلك إذا فكر المرء في منتهى ما يتعلق من المال والجاه والصور، ونظر الى غاية ذلك بعين فكره استحيا من عقله ونفسه ان يكون عبدا لأمور فانية.
ان المقارنة العقلية بين لذة مؤقتة ونعيم دائم ترجح البقاء على الفناء، وقد أمر الله عز وجل بالنظر في عواقب الأمور، قال سبحانه: (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين... الأنعام 11).
وكذلك اتباع الشهوات مذموم عقلا وشرعا، فان العاقل البصير ينظر في عواقب الأمور، فلا يؤثر العاجلة الفانية على الآخرة الباقية، فاذا اقدم على ذلك احد فإقدامه يدل على جهله بتلك الموازنة الضرورية، وجهله بحقيقة مشروعية تصرفاته في الاسلام.