- كان الأستاذ الباري يعتز كثيراً بلقائه خطاط المصحف التركي حامد الآمدي وأخذ الإجازة منه
من أبرز أدبيات ما قبل التصوير للفيلم الوثائقي زيارة المكان والشخصية التي ستقوم بتصويرها، وهذا ما جعلني أتواصل مع أبي عماد الدمشقي الخطاط الأستاذ أحمد الباري ليحدد لي مكان معمله الذي يمارس فيه كتابة المصحف الشريف من أجل زيارته. فقال: بلدة يلدا خلف جامع الصالحين، ولما دخلتها سألت عن جامع الصالحين فدلوني عليه، ثم رأيت رجلا واقفا عند باب الجامع فسألته عن معمل الخطاط أحمد الباري، فركب معنا ليوصلنا إليه دون أن يتكلم، وعندما وصلنا نزل وسلم علي مبتسما ثم قال: معك أحمد الباري.
دخلت معمله المتواضع ورأيت منضدته المائلة التي كان يكتب عليها المصاحف، وفي أعلاها يشع نور المصباح الذي كان يضيء له الحروف، وأقلام الخط والحبر حوله يأخذ منها ما يشاء، كما رأيت بعض الحقائب الكبيرة التي يضع في كل واحدة منها نسخه الأصلية من المصاحف التي كتبت بقطع كبير مقاس سبعين في خمسين.
تفرجت على أبرز لوحاته المعلقة على جدران معمله، منها لوحة بخط النستعليق: «قيمة المرء ما يحسنه»، ولوحة أخرى بنفس الخط أيضا: «قل آمنت بالله ثم استقم»، ولوحة أخرى: (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) وغيرها. وقد أهداني لوحة كبيرة مزخرفة جوانبها كتب عليها بخط النسخ «هو العزيز وأنا عبده»، ثم كتب تحتها بالثلث: مهداة إلى الصديق الدكتور: عبدالعزيز الضامر، إلا أن هذه اللوحة مازالت أسيرة في بيت أحد الأقرباء بريف دمشق، وأرجو الله أن يجمعني بها في يوم ما. كما أهداني بعضا من صوره التاريخية كصورته الجماعية مع أساتذة وطلاب مدرسة سعادة الأبناء للجمعية الغراء الابتدائية التابعة لمعهد العلوم الشرعية، وكان عمره عشر سنوات تقريبا، وكذلك صورته مع خطاط العراق هاشم البغدادي (ت:1393هـ)، وصورته مع خطاط مصر سيد إبراهيم (ت:1414هـ)، وصورة لأستاذه بدوي الديراني (ت:1384هـ). كان يعتز كثيرا بلقائه بخطاط المصحف التركي حامد الآمدي (ت:1402هـ)، وأخذ الإجازة منه سنة (1978م)، وهذا واضح من خلال تلك الصورة التاريخية التي جمعتهما في إطار واحد، وقد شاهدتها معلقة على أحد جدران معمله. خطت يد الأستاذ الباري ما يقارب عشرة مصاحف، وقد أخبرني أنه يستغرق في كتابة كل مصحف قرابة السنة بمعدل عمل يصل إلى أربع ساعات يوميا. وله طقوس يمارسها حين يخط المصحف فكان يستمع أثناء انشغاله بكتابة القرآن الكريم إلى القارئ محمد رفعت (ت:1369هـ)، وأحيانا إلى القارئ مصطفى إسماعيل (ت:1398هـ) ليزداد تركيزا في عمله وليحصل على أكبر قدر من الصفاء الروحي، كما أني رأيت عبارة كتبها بخطه وهي معلقة على إحدى أبواب المعمل: سامع القرآن..أحد القارئين.
ومن طقوسه أيضا أنه كان يرش أنواعا من العطور الفرنسية على ملابسه وفي معمله، لكي تمنحه أجواء تحلق فيها روحه إلى عوالم ساحرة تلهمه أثناء الخط.
وكان يقوم بتشكيل كلمات القرآن مباشرة على سليقته دون الرجوع إلى مصدر يعينه في الغالب، حتى أن والد زوجته شيخ قراء الشام كريم راجح استغرب من صنيعه وقدرته في هذا المجال. كتب مصحفا على الطريقة المملوكية، وهو ثلاثة أسطر بخط الثلث في الصفحة الواحدة، وبينها أربعة عشر سطرا بخط النسخ فرغ منه سنة (1980م)، وكان بطلب من وزير الدفاع وقتها العماد مصطفى طلاس، وقد أخبرني الباري أنه لا يملك نسخة من هذا المصحف سوى صفحتين من سورة يوسف اطلعني عليهما.
كما كتب خمسة مصاحف بخط النسخ أنجزها في خمس سنوات تقريبا كان آخرها سنة (1986م)، وقد شاهدت أغلبها، ولدي نسخة من مصحفه الذي قامت بطباعته مطبعة محمد هاشم الكتبي في دمشق سنة (1411هـ).
وكتب مصحفا بخط الثلث فرغ منه سنة (1987م)، كما كتب مصحفا بالخط الفارسي ولم أشاهدهما. وعندما سألته عن الخطوط العربية، قال: هي مثل الأسرة الواحدة في البيت الواحد فخط الثلث هو الجد الوقور، والخط الكوفي في منزلة الأب أو الأم، وخط النسخ هو الابن الأكبر في الأسرة، والرقعة الابن الصغير، والديواني طفل يحب اللعب والمرح، أما الخط الفارسي فهو الفتاة الحسناء التي تهوى الرقص والدلال.
أنست بالأستاذ الباري وأنس بي حتى قال لي: لنكن أصدقاء، فصرت أتردد على معمله كلما زرت سورية صيفا وشتاء، وكان آخر لقاء جمعني به في المدينة النبوية أثناء ملتقى مجمع الملك فهد لأشهر خطاطي المصحف الشريف سنة (1432هـ)، وهمس في أذني أنه يتمنى أن يؤسس معهدا لتعليم الخط العربي، وكتابة المصاحف في السعودية. في صباح الجمعة السادس من شهر ذي الحجة سنة (1434هـ) فوجئت بخبر وفاته وهو في معمله إثر قذيفة عشوائية أصابته، وهو يمارس كتابة المصحف الشريف فاختلط دمه بالحبر والورق الذي كتبت عليه آيات القرآن الكريم عن (65) سنة، رحمك الله يا أبا عماد، وأغدق عليك شآبيب الرحمة والمغفرة والرضوان.