سورة الشعراء تلك السورة التي منّ الله عز وجل فيها على عباده بنعمة كبرى وهي القرآن الفاصل بين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، والهدى والضلال، والنور والظلام. كما مر بنا بعد ان بين الله عز وجل صفات الكافرين، بين لنا صفات عباد الرحمن ووصفهم الله بأنهم عباد له، فهؤلاء حققوا مراد الله في أنفسهم، وبين الله تعالى ان علاقتهم مع خلقه انعكاس لعلاقتهم مع ربهم.
ونحن بين يدي سورة الشعراء يبين الله عز وجل ان المعركة بين الحق والباطل منصوبة الى يوم الدين، وقد نزلت الآيات تسلية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والسورة بمثابة رسالة الى الإعلاميين خاصة في كل زمن وعصر، وللمسلمين بشكل عام، وننتقل الى حوار موسى عليه السلام مع قومه وفرعون وبدء الجولة الثانية بين الحق والباطل، حيث شاور فرعون الملأ من حوله فيما يجب فعله، وهؤلاء الملأ مصلحتهم أن تبقى الأمور على ما هي عليه، فهم مقربون من فرعون ولهم نفوذ وسلطان، فأشاروا أن يرد على سحر موسى بسحر مثله، فيجمع السحرة لتحدي موسى وأخيه، وكان حوارهما من أروع الحوارات الإعلامية.
الكلمة الطيبة وأثرها في الدعوة
يا ليت الدعاة يلتفتون الى كيفية الحوار مع المخالف، هناك حسن النية من البعض، ولكن يكون قليل العلم لا يعرف كيف يدعوه، لابد من عرض الدعوة بالكلمة الطيبة، والدعوة تحتاج الى علم ولها شروط وصفها الفقهاء لا بالترغيب والتغليظ، بل تكون بالحق والرفق واللين والرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا كيف تكون الدعوة في حديثه، عن أمامة رضي الله عنه ان فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال: «ادنه»، فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: «أتحبه لأمك؟»، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم»، قال: «أفتحبه لابنتك؟»، قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم»، قال: «أفتحبه لأختك»، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم»، قال: «أفتحبه لعمتك؟»، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم»، قال: «أفتحبه لخالتك»، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم»، قال: فوضع يده عليه، وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه»، فلم يلتفت الفتى إلى شيء بعد.
من روائع الحوارات الإعلامية
حوار النبي موسى عليه السلام مع فرعون يعد من أروع أساليب الحوار (فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين، أن أرسل معنا بني إسرائيل... الآية).
فيجب على المسلم إذا حاور غيره ان يحدثه بالأدلة القرآنية وقصة موسى عليه السلام تتضمن المواجهة مع طاغية جبار (قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين).
(قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين).
(قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون).
فقد رد النبي موسى عليه السلام على كل سؤال للتأثير على الناس بأفضل طريقة ممكنة. فيقول: لفرعون: (قال أولو جئتك بشيء مبين) إنها السحر الذي كان وسيلة للتأثير في الناس على عهد موسى عليه السلام، قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان، ونزع يده من جيبه فإذا هي بيضاء فيها نور عظيم.
قال فرعون للملأ معارضا للحق ومن جاء به: (إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم) وهو يعرف ما يأتي به السحرة وأن هذا من جنس ما يأتي به السحرة.
وتحولت عصا موسى إلى ثعبان هائل يلتهم كل الثعابين والحيات والجموع المحتشدة من الناس ترى ذلك ووسط ذهول السحرة وعندما علم السحرة أن الذي أتى به موسى ليس سحرا مثل سحرهم وإنما هو معجزة إلهية خروا لله ساجدين وآمنوا برب العالمين.
مشاهد
إفلاس أهل الضلال
أهل الضلال إذا أفلسوا من الحجة يهددون ويتوعدون، قال تعالى على لسان فرعون، بعد فراغ حجته: (لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين).
تعنت فرعون
قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: (قال أولو جئتك بشيء مبين) فكان جواب فرعون: (إن هذا لساحر عليم) ومع عدم قناعته ووجود سبب وهو اعتقاده ان موسى عليه السلام ساحر لعدم قناعته لم يكن هذا منجيا له.
معرفة الحق
(وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين) يؤكد ان التوفيق لمعرفة الحق والعمل به هما لمن طلبهما بصدق. قال السعدي - رحمه الله - أي: قالوا للناس: اجتمعوا لتنظروا غلبة السحرة لموسى وأنهم ماهرون في صنعتهم فنتبعهم ونعظمهم ونعرف فضيلة علم السحر فلو وفقوا للحق لقالوا لعلنا نتبع المحق فيهم ولنعرف الصواب فلذلك ما أفاد فيهم ذلك إلا قيام الحجة عليهم.
أهل الباطل يحاربون أهل التوحيد
(فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين) قال السعدي - رحمه الله -: وعدهم الأجر والقربة منه ليزداد نشاطهم ويأتوا بكل مقدورهم في معارضة ما جاء به موسى، إنه مشهد اللقاء بين الحق والباطل وبين الإيمان والكفر.