حرية التعبير والرأي شيء واحد، فالمفهوم والضوابط واحدة والاستعمال الشائع لا يفرق بينها وكان بينهما فارق يسير - كما سبق آنفا - وقد بين الله للمؤمنين سبيل الجدال مع غير المسلمين وألزمهم بالقول الأحسن لا الحسن مبالغة في حسن الحوار والجدال، لأن المقصود إنما هو الوصول لسبيل الحق وهو مع المؤمنين لا ريب فقال عز وجل: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) العنكبوت: 46.
وأمر نبيه صلوات الله عليه وسلامه وهو القدوة المتبعة (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة السنة وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل: 125، أي اذا كان هناك طريقان حسن وأحسن فاسلك السبيل الأحسن، بل عمم سبيل القول الحسن للناس أجمعين، فقال تعالى: (وقولوا للناس حسنا) البقرة: 83، ووجه المسلمين باللين في القول بتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال له: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) آخر عمران: 156، وما كان شيء يمنع الصحابة رضوان الله عليهم من إبداء الرأي نصيحة أو نقدا أو بلاغا سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، من مثل ما روى أبوسعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بحق اذا رآه أو عرفه» قال أبوسعيد: «فما زال البلاء حتى قصرنا وإنا لنبلغ في الشر» صحيح ابن حبان.
ولذا جعل الله تعالى خيرية الأمة في الدعوة بالمعروف وهو لفظ عام يشمل كل طريق للدعوة باللين والصدق وحسن القول والعمل، فقال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) آل عمران: 110.
وفي الوقت ذاته جعل الرقابة إيمانية ذاتية فلا يتكلم المسلم إلا عن بينة وعلم، فقال تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) الإسراء: 36.
وقد نعى الاسلام على المقلدين تقليدا أميا للآباء والأجداد وأصحاب السلطة والنفوذ، فقال الله تعالى عن عبدة الأوثان: (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون.
وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.
قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتكم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) الزخرف: 21 - 22. وقد أكد الاسلام بوضوح على حرية التعبير في القرآن الكريم والسنّة المطهرة، حيث أكد على أمرين لا ينفصلان هما:
أولا: إقرار القرآن بتعددية الآراء وتنوعها حيث يقول تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين) هود: 118، أي ان الاختلاف بين البشر أمر طبيعي.
ويوضح القرآن الكريم أن اختلاء الآراء إذا أدى الى النزاع والصراع فصوابه عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيقول تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) النساء 59، فالشيء المؤكد وجود آراء متعددة في المجتمع الاسلامي تعكس تنوعه وتياراته الفكرية.
ثانيا: أن يتمتع المجتمع، رجالا ونساء بالحرية في التعبير عن آرائهم ومواقفهم، حيث يقول تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) التوبة: 71 والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع لا يقتصر على الأمور الدينية والعبادات والعقائد فحسب، بل كل النشاط الانساني في التفكير والنقد والمعارضة والتقييم في شؤون السياسية والثقافة والاقتصاد.