الربط بين الاتفاق النووي مع إيران وسلوكها الإقليمي، هو النتيجة العملية للمحادثات المكثفة التي جرت بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في البيت الأبيض مؤخرا.
تحدث ماكرون للمرة الأولى عن خطة لصوغ «اتفاق جديد» مع إيران، وقال: «إن ما نحتاج إليه هو تغطية أربعة محاور:
أولا: منع أي نشاط نووي لإيراني حتى عام 2025.
ثانيا: ضمان أنه على المدى الطويل لن يكون هناك نشاط نووي إيراني.
ثالثا: أن نضع حدا لنشاطات إيران الباليستية.
رابعا: أن نخلق الظروف لحل سياسي بهدف احتواء سلوك إيران في المنطقة، في اليمن وفي سورية وفي لبنان».
ترامب من جهته هدد إيران بدفع ثمن باهظ إذا استأنفت برنامجها النووي.
ولم يقدم ترامب إشارة واضحة حول ما إذا كان سينسحب من الاتفاق النووي مع إيران بحلول 12 مايو المقبل، مبقيا الغموض محيطا بقراره النهائي في هذا الشأن.
وكرر ترامب أنه يريد إعادة الجنود الأميركيين من سورية في أقرب وقت، مشيرا في الوقت ذاته الى أنه اتفق مع نظيره الفرنسي على أنه لا يريد إعطاء إيران نافذة على البحر الأبيض المتوسط عبر سورية.
وشدد على انه حينما تم إبرام الاتفاق مع إيران كان لابد من مناقشة الوضع السوري وإبرام اتفاق يتضمن معالجة المخاوف في اليمن وسورية والعراق ومناطق أخرى في الشرق الأوسط، وهو ما لم يحصل.
وأشار الى أنها كانت صفقة مروعة وكان يجب ألا يتم إبرامها أبدا، هذا جنون أن نعطي إيران 150 مليار دولار من الأموال وأعطينا 1.8 مليار دولار من الأموال السائلة.
وتساءل: أي نوع من الصفقات هذه التي لا تتعامل مع تجارب إيران للصواريخ الباليستية؟ أي نوع من الصفقات لا تتعامل مع أنشطة إيران في أماكن مثل اليمن أو سورية؟
ويدخل الاتفاق النووي الموقع بين إيران والقوى الكبرى في العام 2015 فترة حاسمة، حيث من المقرر أن تنتهى مهلة منحها ترامب للأطراف الأوروبية الموقعة لإدخال تعديلات على الاتفاق في 12 المقبل، ويعلن قراره إما بالانسحاب أو بالعمل على تعديل بنوده.
وثمة توقعات بأن الرئيس ترامب لن يمدد الاتفاق النووي مع إيران، إلا في حال اتفاق الأوروبيين على التعديلات، ولكن يبدو ذلك مستبعدا، لأن الأوروبيين يريدون الحفاظ على الاتفاق، إلا أنهم يستصعبون التوصل الى موقف موحد حول التعديلات.
في 12 يناير الماضي، وجه ترامب إنذارا لبريطانيا وفرنسا وألمانيا، بأن عليها الاتفاق على إصلاح العيوب الجسيمة في الاتفاق النووي مع إيران، وإلا فإنه سيرفض تمديد تخفيف العقوبات الأميركية.
وتبدي أميركا مخاوف تجاه الاتفاق لأنه لا يتطرق إلى برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، وسلوك إيران في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى اعتراض ترامب على فقرات في الاتفاق تقر بانتهاء العمل بالقيود على برنامج إيران النووي بعد عشر سنوات.
وزادت الإدارة الأميركية مطلب حصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية على حرية دخول جميع المواقع التي تحتاجها، بما في ذلك المواقع العسكرية.
ولكن حكومات الاتحاد الأوروبي تبدي تأييدا أكبر لفكرة فرض عقوبات جديدة على إيران لا تتعلق بالبرنامج النووي، وهي فكرة طرحتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا كسبيل لثني ترامب عن التخلي عن الاتفاق، وتهدف إلى تحجيم برنامج طهران الباليستي - الصاروخي، ودورها في الشرق الأوسط (سورية والعراق ولبنان واليمن)، إضافة إلى انتهاكات حقوق الإنسان، في إطار مساع لإقناع الإدارة الأميركية بالحفاظ على الاتفاق النووي.
المناقشات حامية بين الأميركيين والأوروبيين قبل انقضاء المهلة في 12 مايو المقبل، وفي حين تضغط واشنطن ضد الاتفاق النووي، تتوسع المعارضة الأوروبية، استنادا الى النقاط التالية:
٭ أن المساس بالاتفاق النووي غير وارد، ولكن يمكن التحرك في محيطه، وهامش الخيارات واسع، مع امتلاك الدول الأوروبية كل أنظمة العقوبات الضرورية، ولكن ينبغي عدم ارتكاب خطأ رئيسي يتمثل في خسارة إيران.
٭ أن انسحاب الولايات المتحدة ستكون له عواقب كارثية، وسيضع الاتفاق في خطر كبير، وقد يدفع الإيرانيين إلى إلغائه، وإطلاق سباق تسلح نووي في المنطقة.
٭ أن تقويض الاتفاق يمكن أن يؤدي إلى توتر في العلاقات عبر الأطلسي، ويدفع أوروبا إلى التقارب الإجباري مع الصينيين والروس، في محاولة للإبقاء على الاتفاق.
٭ أن الانسحاب من الصفقة سيلحق ضررا كبيرا بصورة الغرب في العالم، وسيقلل من قيمة كل الوعود والتهديدات التي تصدرها هذه الدول مستقبلا، وسيقوض كذلك نظام تفتيش ومراقبة البرنامج النووي الإيراني، ما سيمثل بدوره مصدرا جديدا للصراع في الشرق الأوسط وخارجه.
الدول الثلاث (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) الواقعة بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني تعاني من مشكلة إضافية، ذلك أن رغبتها في التوصل إلى تفاهم أوروبي بشأن فرض عقوبات جديدة على طهران تصطدم بالانقسامات الأوروبية العميقة.
وتعود الصعوبة لكون قرارات فرض عقوبات جماعية على أي جهة تتطلب إجماع الأعضاء الـ 28 في الاتحاد.
وطالما رفض عضو واحد، فإن قاعدة الإجماع تنكسر وبالتالي لا عقوبات.
ولا شك أن طهران يمكنها أن تلعب على الانقسامات الأوروبية، إذ سبق لمسؤوليها أن هددوا أوروبا بأن فرض عقوبات جديدة من أجل إرضاء ترامب ليست الطريقة المثلى للمحافظة على الاتفاق.
وفيما تسعى العديد من الدول الأوروبية إلى تعزيز علاقاتها التجارية والاقتصادية مع طهران، فإن اللجوء إلى العقوبات التي ستكون الأولى من نوعها أوروبيا منذ العام 2015، سيحرم الدول المتبنية لها من الولوج إلى السوق الإيرانية أو من الفوز بعقود جديدة.
ومن بين الدول المترددة إيطاليا واليونان وقبرص وأطراف أخرى مقتنعة بأن القطيعة مع إيران من شأنها أن تضر بمصالحها الاقتصادية والتجارية.
في الواقع، إن المناقشات الجارية بين الدول الأوروبية وإيران ليست أقل تعقيدا مما شهدته مفاوضات الاتفاق النووي التي استغرقت سنوات، وهي تحتاج إلى تنازلات إيرانية حقيقية وليس لعملية تجميل لإقناع ترامب للبقاء في الاتفاق والتجديد لتعليق العقوبات.
وأعلنت إيران عبر وزير خارجيتها أنه لا بديل عن الاتفاق النووي، وهو غير قابل للتعديل، وأبرز ما اقترحته وعرضته:
٭ أنها يمكن أن تبقى متمسكة بالاتفاق على رغم انسحاب واشنطن شرط أن يتمسك به الأوروبيون وأن يستمروا في تطبيع علاقاتهم الاقتصادية مع طهران.
٭ أنها لا تمانع في طرح ملف سلاحها الصاروخي شرط أن يكون في إطار إقليمي، أي أن يطرح كذلك موضوع السلاح الصاروخي لدول المنطقة.
٭ أنها كبادرة حسن نية، بدأت مناقشات مع الأوروبيين الثلاثة بشأن الملف اليمني ويمكن لهذه البادرة أن تتطور.
٭ أن طموحها في الوقت الحاضر هو تأجيل اتخاذ قرار بشأن الاتفاق النووي إفساحا لمزيد من المشاورات والاتصالات.
والملاحظ أن ظريف ابتعد خلال الأيام القليلة الماضية عن نبرته الديبلوماسية في الملف النووي الإيراني إلى لغة الوعيد والتحذير وذلك في مؤشر على مخاوف جدية في طهران من انسحاب واشنطن.
وقال في حوار مع مجلة «نيويوركر» الأميركية: « هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة أمام إيران في حال انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي:
٭ السيناريو الأول، هو أن تنسحب إيران من الاتفاق النووي أيضا، وأن تنهي التزامها بمضمون الاتفاق وتستأنف تخصيب اليورانيوم.
٭ السيناريو الثاني، يستخلص من آلية الخلاف والنزاع في الاتفاق النووي، حيث تسمح لجميع الأطراف تقديم شكوى رسمية في اللجنة التي تم تشكيلها للبت في انتهاك مضمون الاتفاق، إذ أن إيران قدمت حتى الآن 11 شكوى إلى هذه اللجنة، والهدف الرئيسي من هذه العملية هو إعادة أميركا إلى الالتزام بمضمون الاتفاق النووي.
٭ السيناريو الثالث، هو الأكثر جدية وقوة حيث إن إيران من المحتمل أن تتخذ القرار بشأن الانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.