اعتدنا كجمهور مع مرور الزمن على مشاهدة الأبطال الذين يقدمون العنف في الأفلام المختلفة، وكثيرا ما يقع هؤلاء الأبطال في مواقف حياة أو موت، ما يضطرهم في أغلب الأحيان إلى قتل أناس آخرين للخروج من هذه المآزق، لكنهم سرعان ما يكملون نحو مغامرتهم التالية، كما لو أن هكذا تجربة قاسية لن تترك أي ندوب أو آثار على مرتكبيها.
لكن فيلم «You Were Never Really Here» يتمحور حول هذه الندوب، فهو يتخلص من تلك الواجهة القوية التي أصبحنا في كثير من الأحيان نتقبلها كما لو أنها أمر طبيعي، ويترك شخصياته ضعيفة ومجروحة ويمكن أن تموت بسبب الضغوطات النفسية في ظل العيش حياة وحشية، وبالتالي لا يكفي القول بأن الفيلم فقط عبارة عن إثارة وتشويق، بل هو أيضا ممتاز حول الانهيار النفسي مع بطل يثبت في كل مشهد أنه لم يعد يفصله عن الاستسلام بالكامل وإنهاء حياته الخاصة سوى فكرة جنونية واحدة.
يلعب الممثل خواكين فينيكس دور «جوي»، الذي نلتقي فيه في اللحظات الأولى للفيلم وهو ينظف مسرح جريمة ويغسل الدماء ويتخلص من الأدلة، ولا نحتاج إلى الكثير من الوقت لنكتشف أنه ليس خاطفا أو قاتلا، بل إنه في الواقع هو من يوقف الخاطفين والقاتلين، لكنه في كلتا الحالتين يعيش حياة مهمشة ومليئة بالعنف المستمر.
يرعى «جوي» والدته المسنة ويعمل كرجل مأجور مستقل يمتهن البحث عن الفتيات المفقودات وينقذهن ويعيدهن إلى عائلاتهن، ونرى عبر لمحات سريعة على مدار الفيلم أن «جوي» نفسه عاش طفولة مروعة وأن مهنته ترغمه على مواجهة المزيد من الفظائع بشكل دائم، وتتكشف لنا شخصيته بأنه إنسان منطوٍ على نفسه وليس لديه الكثير من المعارف.
وعلى الرغم من أنه يمتلك جسما مفتول العضلات، إلا أنه لا يهتم بمظهره الخارجي، بل إن الانطباع الذي يعطيه دائما للآخرين هو ألا يقتربوا منه إطلاقا.
وتأخذه مهمته الأخيرة للبحث عن فتاة مفقودة لأحد السياسيين، وسرعان ما يجدها في عالم مظلم مليء بالاستغلال بأبشع صوره، وعندما يبدو بأن كل شيء يسير وفقا للخطة ويسود الخير على اليأس، يحدث تغير مفاجئ في الأحداث يضع «جوي» تحت خطر متزايد يقربه أكثر من تعرضه للموت هو نفسه.
يحمل «You Were Never Really Here» كل سمات فيلم التشويق والإثارة الناجح، فهو يضم مؤامرات ومشاهد آكشن وانتقامات ومفاجآت، لكن تسارع الاحداث أفقده بعض من قيمته الترفيهية، وركز بدلا من ذلك على العواقب العاطفية والنفسية للحياة والأرواح التي يملؤها العنف.
يمتد الفيلم، والذي يأتي من إخراج لين رامزي، لما يقارب 90 دقيقة لكنك ستحتاج إلى وقت أكثر بكثير لتتعافى من الحالة النفسية التي تطغى عليك بسببه.
ويقدم «خواكين فينيكس» أداء من أفضل ما قدمه حتى الآن، ويجد التوازن الدقيق المطلوب بين الهشاشة والغضب، ويبدو أنه يحاول أن يستجمع شتات نفسه لما يقارب ثلثي الاحداث، أما بقية الفيلم فهي منقسمة بين نوبات ثورانه الغريبة وبين محاولاته الهادئة تقريبا لقتل نفسه، كما لو أن ذلك هو الحل الأفضل، وكما لو أن لا أحد سيلحظ رحيله.
إذا كان ما ذكرناه يوحي بأن «You Were Never Really Here» فيلم محبط، فأنت محق، لكن لا يبدو أبدا أن «لين رامزي» كانت تتعثر هنا، بل إن فيلمها يتحرك بقوة نحو خاتمة ذكية، كما لو أنها استخدمت السلبية كسلاح للفيلم وصوبته نحو السلبية نفسها، فعلى الرغم من أن الفيلم برمته قد يبدو أنه يتمحور حول الأفكار الانتحارية، ويبدو «جوي» أنه يفكر جديا بإنهاء نفسه بخاتمة قبل الأوان في كل مشهد، لكن لديه سبب ليستمر، وهو يقدم حجة مقنعة للمشاهدين أيضا.