فقدت الكويت أمس ابنها البار النوخذة خليفة الراشد مستشار التراث في النادي البحري عن عمر يناهز الـ٨٥ عاما، وذلك بعد رحلة حافلة ترك فيها خدماته وبصماته الكبيرة والواسعة في سبيل المحافظة على التراث البحري وتقديم الخدمات الاستشارية لرحلات الغوص.
في شهر يوليو الفائت تغيب النوخذة خليفة الراشد عن فعالية الهباب والشونة لرحلة إحياء ذكرى الغوص للمرة الأولى منذ عام 1986 تاريخ إحياء رحلة الغوص الأولى، وذلك بعد 32 عاما من الحضور المتواصل وسعيه الدائم لتدريب وتأهيل الشباب على ممارسات الغوص، كما كانت في الماضي، الى جانب تأهيلهم لقيادة سفن الغوص كنواخذة، فيما تمت الاستعانة به (رحمه الله) من قبل سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، طيب الله ثراه، وصاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، في تولي عملية الإشراف على صناعة سفن الغوص المهداة من سموهما للنادي، والتي سبق أن تم تصنيعها في الإمارات الشقيقة.
التراث البحري
يعتبر «بوعدنان» رحمه الله، أحد أبرز رجال التراث البحري، استعان به الديوان الأميري والمتحف الوطني للإشراف على إعادة صناعة بوم المهلب بعد تدميره من قبل قوات الاحتلال العراقية.
كان ينظر الى البحر كمصدر للحياة، ففيه الحداق والسباق بالسفن الصغيرة التي كانوا يصنعونها من التنك، والدخول الى حظور السمك.
كان واحدا من أهل الكويت، لا يعرف غير البحر، جاء النفط، وكان بمنزلة الانقلاب في حياة المواطنين، والذين استغنوا به عن الغوص، واتجهوا الى الوظائف الحكومية والقطاع الخاص، تعلم النجارة وتصنيع الأبواب والشبابيك، وعمل في هذا المجال نحو 7 سنوات، وانتقل الى ميناء الشويخ للعمل كوظيفة، ثم بلدية الكويت عام 1960 ليعمل فيها ويتدرج في مناصبها من مراقب الى رئيس منطقة ثم مشرف منطقة حتى 1986 ويحصل على التقاعد.
وصفه الزميل حمزه عليان في «القبس» برجل الغوص الذي لم يفارق البحر، وبخريج مدرسة الغوص والبحر ممن سخّروا انفسهم لخدمة التراث البحري.
قراءة القرآن
من مواليد 1933 بالمطبة في فريج هلال حي شرق بدأ مسيرته التعليمية عندما ألحقه والده بمدرسة ملا عبدالوهاب العصفور، ليتعلم قراءة القرآن الكريم والكتابة ومبادئ الحساب.
وللحصول على التعليم النظامي الحقه والده بالمدرسة الشرقية عندما تم افتتاحها، لكنه لم يطمح لاستكمال التعليم لعشقه للبحر.
رحلة الحياة
بدأ مسيرته العملية صغيرا، فبعمر تسع سنوات ركب البحر مع والده المرحوم راشد إبراهيم الراشد على «سنبوك» جاسم احمد الفضالة ليعمل تبابا ثلاث سنوات، وبعدما ترك والده «السنبوك» امتلكوا سفينة «شوعي» وسافر مع النوخذة علي النجدي لتوصيل ذهب من الكويت إلى ميناء بومباي في الهند.
وتنقل بين مدينة وأخرى إلى أن اصبح نوخذة.
ثم اقتحم الغوص ووصل مع رفاقه إلى سواحل افريقيا والهند وخاضوا تجربة انسانية أشبه بحياة العسكر وما فيها من قساوة وانضباط ومسؤولية.
وبعد ان توقف الغوص بسبب اكتشاف اللؤلؤ الاصطناعي تم استخدام شوعي والده في صيد الاسماك في كبّر وعوهة.
يوم البحار
تعود للراحل فكرة تأسيس يوم البحار، كاقتراح مقدم منه وزميله عبدالهادي يعقوب وقد اسساه معا، وجمعا الحرف التراثية الكويتية كلها بمساعدة شباب متطوعين، وقد لاقت الفكرة استحسانا من المسؤولين، فوفر لهم مجلس الوزراء الأرض وجهزوا فوقها «بوم البحار» للحرف الكويتية.
ولأن ميزانية الإعلام كانت لا تكفي، فقد عمل مع الشباب المتطوعين من دون مقابل. ثم قاموا بتسليم المرفق للإعلام ليفتتح بالعام 1986.
كان تسليم «يوم البحار» للإعلام واحدا ضمن الأعمال الوطنية التي شارك فيها مع وزارة الإعلام.
وبنفس العام 1986 كلف من الديوان الأميري وبمبادرة من الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، طيب الله ثراه، ببناء 10 سفن وهي السفن التي شاركت في معركة الرقة، وقد دمرها الغزو. وبعد التحرير تم اعادة بنائها لتصل الى 16 سفينة، وبمبادرة من سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد ومساهمة بعض النواخذة ازداد عددها.
منطقة الشعب
في لقاء سابق مع بوعدنان، رحمه الله، تحدث فيه عن منزل الشعب قال فيه: نحن اول بيت في الشعب كان بيت الوالد أول بيت وكان معنا بيت جاسم المسباح كنا أول بيت ثم جاسم المسباح وكان في اول سنة 1960 آخر 1959 ولم يكن أحد في المنطقة إلا بيت الوالد ثم بنيت المنطقة وبيتنا كان جوار ديوان عبدالله الرومي اليوم وارض الوالد في الشعب كانت قيمتها ست آلاف روبية، كان البيت بلا كهرباء ولا ماء.
الذكريات الأولى
وفي حديث آخر له عام 2012 روى بعضا من ذكرياته الأولى في عالم الغوص قائلا:أول دخول البحر تباب مع والدي وقد وصلت معه هيرات البحرين وهيرات الكويت من أولها إلى آخرها وهيرات الكويت تمتد إلى السفانية وكلها بها خشب الكويت والسعودية خشبها في جزيرة العماير كان خشب اصغار واهل جزيرة جنة بها العماير والمسلمية بها الخوالد وكان عيشهم على البحر وأهل دارين بها غواويص، لكن صار كسادا وأهل الكويت بعد الكساد اتجهوا إلى السفر أى بعد ضعف الغوص، والسفر تجارة رائدة والكويت اصبحت هي الدولة التي تصدر للخليج حيث تجلب اليها البضائع، كانت سفن السفر اكثر من 300 سفينة تنزل البضائع في موانئ الخليج وتحمل منها واليها، البحرين فيها غواويص لكن لم يحترفوا السفر الكويتيون هم من احترف السفر، ودخلت الغوص مع الوالد ثلاث سنوات تبابا ثم صار عندي نشاط ودخلته مع خالي سلطان ماجد بورسلي سنتين خشب العدان والخشب العدان جالبوت صغير ما فيه فرق بين العاملين فيه الغيص والاسيوب الكل يغوص ويسوب ندخل الصباح الباكر ثم نعود في المساء ولا نذهب بعيدا إذا حل المساء أي بندر «مرسى» قريب منا نرسو به سواء الجليعة أو الزور وأي مكان نغوص فيه، البحر قريب منا وأنا من مواليد 1933 وكان ذهابي مع خالي قبل 1950 وانا كنت مع خالي وولد خالي محمد نحن ثلاثة أول سنة غصنا بها جاءتنا حصباة «زينة» وباعها خالي وحصلنا منها فضيلة والسنة الثانية لم نحصل على شيء وبعدها شرينا شوعي من غانم الحساوي اكبر من الجالبوت الذي نغوص به والوالد بعدما ضعف الغوص اخذ شوعي دخل به الغوص سنتين وكنت معه وكان معنا خمسة غاصة واسيوب اربعة كلنا على الشوعي الذي اشتراها الوالد وكنا نبندر «نرسي» في نقعة هلال مقابل الفريج الذي عشنا.
الراحل في سطور
٭ خليفة الراشد
٭ مواليد 1933، حي شرق (فريج هلال المطيري) الكويت.
٭ دخل مدرسة ملا عبدالوهاب العصفور، وتعلم قراءة القرآن الكريم والكتابة، ثم التحق بالمدرسة الشرقية مع افتتاحها لأول مرة.
٭ ركب البحر مع والده وكان يملك سفينة «سنبوك»، وتنقل بين عدة مهن الى ان اصبح نوخذة، وسافر مع النوخذة علي النجدي لتوصيل ذهب من الكويت الى ميناء بومبي في الهند.
٭ فتح محلا للنجارة بعدما تعلم على يد أبناء محمد صالح المطوع وصار يصنع الأبواب والشبابيك وتوسع في هذه المهنة.
٭ عمل في ميناء الشويخ 1960، وايضا في بناء السفن وراح يبني السفن للشيخ عبدالله السالم الصباح والشيخ جابر العلي الصباح والشيخ عبدالله المبارك الصباح.
٭ عين مراقبا في بلدية الكويت ثم رئيس منطقة ثم مراقبا الى ان تقاعد عام 1986.
٭ عمل مع وزارة الإعلام في احتفالات العيد الوطني واختيار الحرفيين والعاملين في السوق وأصحاب الأعمال التراثية وساهم بشكل فعال في يوم البحّار.
٭ أشرف على أعمال الغوص في النادي البحري الرياضي وقام بتدريب الشباب مع كل موسم في شهر يوليو من كل عام بدءا من عام 1988.
٭ أشرف على صناعة سفن «الشواعي» وتخرج على يديه عدد من «النواخذة الجدد» في سباق الرقة، وهو مشروع تم بناء لرغبة أميرية أيام المرحوم الشيخ جابر الأحمد الصباح.
٭ أحد أبرز رجال التراث البحري، استعان به الديوان الاميري والمتحف الوطني للإشراف على إعادة صناعة «بوم المهلب» بعد تدميره من قبل الاحتلال العراقي للكويت عام 1990.
النادي البحري: سنحفظ بكل الوفاء جهود الفقيد الكبيرة لخدمة تراث الوطن
نعى النادي البحري الرياضي الكويتي، فقيد الكويت والتراث البحري، النوخذة الكبير المخضرم خليفة الراشد (أبوعدنان) الذي انتقل الى رحمة الله تعالى عن عمر يناهز 85 عاما، بعد عطاء واسع ومخلص قدمه للنادي، ولوطنه في مجال التراث، حيث يعتبر من ضمن أبرز النواخذة الذين شاركوا في رحلات إحياء ذكرى الغوص، ومنذ الرحلة الأولى عام 1986، وله خدماته وبصماته الكبيرة والواسعة في المحافظة على التراث البحري، وفي تقديم الخدمات الاستشارية لرحلات الغوص، وفي تدريب وتأهيل الشباب على ممارسات الغوص كما كانت في الماضي، الى جانب تأهيلهم لقيادة سفن الغوص كنواخذة، فيما تمت الاستعانة به من قبل سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، وسمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد في تولي عملية الإشراف على صناعة سفن الغوص المهداة من سموهما للنادي، والتي سبق أن تم تصنيعها في الإمارات الشقيقة.
وأعرب رئيس النادي اللواء فهد الفهد عن حزنه العميق والتسليم بقضاء الله تعالى وقدره، مؤكدا أن النادي البحري سيبقى يحفظ له بكل الوفاء والتقدير والاعتزاز جهود الفقيد التي قدمها خدمة للتراث ولوطنه.